الاثنين، 30 يونيو 2008

مقترح التجنيد الاجباري

مقترح التجنيد الإجباري
مقاربة مع الوضع الديموغرافي العراقي
محمد سعيد الخطيب

منذ تسليم بغداد إلى الأمريكان في ربيع عام 2003 من قبل الجيش العراقي الذي تم بناءه بطريقة التجنيد الإجباري وهروب قياداته الميدانية ملتجئة ألينا في البيوت كي نزودها بالملابس المدنية حتى يلتحقوا بأهاليهم في محافظات الموصل والانبار وصلاح الدين وكركوك ، أقول منذ ذلك اليوم الذي لم يتم إدخاله في حسابات الزمن عندما تم تدنيس ارض الأولياء الأطهار عليهم السلام للمرة الثانية بأقدام إرهابيي الزمن الأخير الانكلو سكسون من اليمين الصهيوني المسيحي ،منذ ذلك اليوم الأسود وتتردد على الّسِنة بعض ممن يدّعون بأنهم سياسيين، مقولة تعبر عن أمل لهم فقدوه بسبب قرار برا يمر أو بوش بحل الجيش السابق، وهو إعادة العمل بالتجنيد الإجباري حتى ، حسب أملهم هذا ، يتخلص الجيش الجديد من وباء المحاصصة الطائفية ومن وجود عناصر من المليشيات والإرهابيين ضمن تركيبة هذا الجيش.
نحن هنا وقبل مقاربة هذا الأمل سوف نبين نزرا يسيرا من حقائق ووقائع عشناها تحت ظل الجيش السابق وقوانينه وأنظمته والتي كتبها خبراء بريطانيون في عام 1944 حسبما يدل على ذلك قانون الخدمة العسكرية المعمول به سابقا والذي أظن أن رقمه ( القانون رقم 44 لسنة 1944 المعدل ) إذا لم تخنيّ الذاكرة.
تأسس الجيش أولا من فوج تمت تسميته ( فوج موسى الكاظم ) وذلك في 6 كانون الثاني 1921 وعندما كان وزير الدفاع ( جعفر العسكري ) المولود في مدينة الموصل وهو من الأصول التركية وليس التركمانية ، إذ إن هاذين الأصلين مختلفين بالرغم من وحدة الأصل الأول باعتبارهم من الجنس الآري وحتى في التمذهب الديني فهما مختلفين.
في هذه الحادثة الأولى نجد أن تسمية الفوج باسم الإمام السابع من أئمة الشيعة من قبل وزير سني يمتلك نزعة طائفية حادة – كما أشار إلى ذلك عدد ممن عاصروا تلك الفترة والتقيتهم قبل أن يتوفاهم الله إلى واسع رحمه – علما أن الإمام الكاظم عليه السلام أمضى 37 سبعة وثلاثون عاما متنقلا في سجون الملك العباسي هارون الرشيد ، وبعبارة أخرى فإن تسمية وحدة عسكرية - وعلى العموم - تأخذ علما من أعلام الشجاعة والقيادة في المعارك والحروب، لذا فلم تتم تسمية الفوج باسم علي ابن أبي طالب عليهما السلام والذي شارك في جميع معارك وغزوات النبي محمد (ص) إلا واحدة فقط . ولابد لمن اقترح الاسم والذي اقره باسم ( الأمام الكاظم وليس جده أمير المؤمنين عليهما السلام ) حاجة في نفسه من ذلك.
كان لفترة التأسيس الأولى ضمن مجموعة من الطوائف والقوميات والمذاهب المختلفة ، الأثر البالغ في التشكيلة التي ظهرت لاحقا للجيش ، فقد تركزت القيادات ومجموعة الضباط لدى أبناء الطائفة السنية بالغالبية العظمى لان القيادة السياسية التي جاءت بعد اندحار ثورة العشرين الشيعية كانت تُمثل في غالبيتها العظمى ضباطا من الجيش التركي ومن ذوي الأصول التركية أمثال { نوري باشا السعيد و جعفر العسكري والهاشميان والكيلاني وسواهم } مضافا إلى أن السياسة البريطانية كانت وحسبما تقول (مس بيل ) في مذكراتها قد خططت لان يذهب السنة في العراق إلى الحكم بينما يذهب الشيعة إلى التجارة وهذا ما أقرته وزارة المستعمرات البريطانية ردا على طلب مسز بيل بتأجيل الانتخابات التي جرت في 30 كانون الثاني 1924 !!! – هل لهذا التاريخ شبيه له؟؟؟ – مضافا إلى فتاوى المرجعيات الدينية الإيرانية الجنسية في النجف وتحريمها الالتحاق بمقاعد الدراسة وطلب العلم في المدارس الرسمية والالتحاق بالوظائف الحكومية وهو رأي ليس له سند شرعي مطلقا ، بل يتعارض مع سيرة الأئمة المعصومين عليهم السلام والفقهاء الأوائل في المذهب والذين درسوا على أيدي علماء اختلفوا معهم في المذهب ونهلوا من العلوم البيزنطية وفلسفتها وأبدعوا فيها ، كذلك فقد كان علي بن يقطين رضوان الله عليه وزيرا للرشيد وإمامه الكاظم عليه السلام رهين سجن هذا الملك ، فلو صحت روايتهم لأحاديث الأئمة عليهم السلام وكما جاء في أمر الإمام المنتظر – أرواحنا لمقدمه الفدى – بإتباع رواة حديثهم لما أفتوا بمثل فتوى تحريم العمل في الدوائر الحكومية عند بداية تشكيل الدولة العراقية الحديثة وفي حادثة ابن يقطين الدليل كما يسمونه.
ولابد أيضا من مقاربة الحالة الاجتماعية والاقتصادية التي كانت عليها مكونات الأمة العراقية في ذلك الوقت ومظاهر الجوع والحرمان التي ابتليت بها المناطق ذات الأغلبية الشيعية منذ سكنوها حتى يومنا الحالي حيث الرأس في الدولة الجديدة منهم وهو ملتزم دينيا ويراجع المرجعية العليا حتى في تحديد أسماء الوزراء في حكومته ولكن هذه المظاهر ازدادت إيلاما وألما عليهم.
بسبب الفقر والعوز والجهل ، كما عرفتُ ذلك من ضباط قدماء في الجيش السابق، وعدم اهتمام الإنسان في ذلك الحين بالنظافة مما يؤدي إلى كثير من السلبيات مثل وجود دودة ( القمل ) وغيرها ، لذا فقد نص قانون الخدمة ذلك على أن لا يزيد طول شعر الرأس عن 4 أربعة بوصات ( نمرة أربعة ) وبقيّ هذا معمولا به حتى إلغاء الجيش برمته.
نعم ، وحتى بعد أن وصل الإنسان إلى القمر كما يقولون ودخول خريجي الكليات والمعاهد في الخدمة بالجيش ، إلا أن التفتيش الصباحي بقيّ يشمل الجواريب والملابس الداخلية من قبل الآمرين وفي وسط ساحة العرض الصباحي على مسمع ومشهد من منتسبي الوحدة العسكرية ، وكان منها حالات استهداف أو استفزاز – وخصوصا للخريجين – عندما يبدأ صعلوك بالتشهير بحامل شهادة دكتوراه باختصاص معين لان لباسه الداخلي غير نظيف !!! – وهي عملية ملفقه جملة وتفصيلا - وهذه حوادث عشتها عندما خدمت في إحدى مراكز تدريب الخريجين .
كثيرة جدا الأمثلة والقصص ولكنني سأورد واحدة منها حدثت معي عندما كنت جنديا في إحدى وحدات ( جيش محمد العاكول ) السابق حيث كنت حارسا لباب النظام – وهي الباب الرئيسية للوحدة – وعند أذان الفجر جاءني ضابط الخفر وهو من أهالي الموصل – من ريف مدينة الشرقاط - برتبة ملازم ثاني ويعد أن أوقفته حسب الأصول المتبعة إلا انه قال لي ( مازين ) فسألته ما هو ( المازين ) فقال ( صوتك ما عالي لازم تصيح سبع مرات قف) فقلت له أنا لست ديكا أصيح عند الفجر، فاستشاظ السيد الملازم غيضا وقال ( يله روح للسجن ) فسألته بحالتي هذه فقال ( أي ) فسرت أمامه إلى السجن وتركت النقطة ومعي سلاحي طبعا. لا بل إن هذا الضابط نادى من مكانه على أمر حرس السجن بأن يُدخلني أليه ، لما وصلت إلى السجن متقدما على الضابط قليلا ، ففتح لي ( أمر الحرس ) السجن ودخلته ومعي سلاحي ، ولكن أمر الحرس اخبر الضابط بمخالفته للقانون لأنني تركت الباب من دون حرس وكذلك إدخالي السجن ومعي السلاح ، فاضطرب الضابط وبعد محاولات منه وتوسل أمر حرس السجن خرجت من قاعة السجن.
في الصباح استدعاني هذا الضابط وهو من عشيرة الجبور وبدأ يسرد عليّ اسطوانة الجيش والقانون والمخالفة وما هي عقوباتها وخصوصا نحن في حالة حرب إذ تصل عقوبة الممتنع عن تنفيذ الأمر العسكري إلى الإعدام وفقا لنصوص القانون ، ولكن ومن خلال محاضرته القيمة هذه قال بالحرف الواحد ( انته ما تدري انو رغبة الأمر أمر ) فقاطعته قائلا ( يعني كل رغبه للأمر أمر) فقال (أي يعني ما يعجبك ) فقلت لا أبدا وإنما أردت الاستيضاح سيدي . وهي كلمة العبودية التي تمثل الركن الأساسي في بناء الجيش العقائدي السابق ، وكم كان كثير من الضباط يتلذذون بسماعها ويتبخترون بذلك النصر والفوز العظيم – طبعا عدا في ساحات المعارك لأنهم يتحولوا إلى فئران والله يشهد-.
قام الجيش السابق وقعد على حلاقة الذقن وكوي الملابس وصباغة الحذاء ، حتى في مواقع التمارين مثلا أو أثناء المعارك عندما لا يتوفر للمنتسب شربة ماء ليروي عطشه، وأما التدريب وخلال خدمتي التي بلغت اثنا عشر سنة ( وأنا احمل شهادة البكالوريوس ) فلا زالت ترن بأذني أصوات المدربين وهي تقول ( بندقية آلية 26و7 ملم ترمي بقوة الغاز ونابض الإرجاع ) وكذلك حركات المشاة في المسير والتوقف ، وقد استمر ذلك حتى في تدريبات النخوة التي فُرضت على الموظفين في دوائرهم إذا لم يتمكنوا من الذهاب إلى ساحات التدريب.
كانت العلاقة التي تربط المقاتلين – كما يسمونهم – من ضباط ومراتب هي علاقة عبودية مطلقة واستغلالية بالصورة اللانسانية المقيتة، وقد حصلت أثناء الحرب مع إيران كثير من عمليات قتل للضباط نفذها جنودهم بعدما سلبوهم كل شيء معنوي ومادي وأخيرا القوا بهم في آتون المعارك ،فهم من بنى الغزالية والسيدية وبيوت الضباط والآمرين في كل مدن العراق ، وهؤلاء الضباط ابتزوا كثيرون بسلبهم أملاكهم عدا الأموال من أجل أن لا يرسلوهم إلى الخطوط الأمامية وبذلك فقد أكدوا صيانتهم للأمانة المعلقة في أعناقهم ، كما إن كثيرا من الجنود قاموا بكسر أرجلهم أو بتر أصابعهم عمدا ليس للتخلص من المعارك ومواجهة العدو مهما كان ولكن من الحالات الاستغلالية القذرة والمعاملة الاسوء من قبل الضباط لهم.
لم يحصل لي أن دخلت سجون الجيش والحمد لله ، ولكن الذين دخلوا سجونه وخصوصا سجن الحارثية للانضباط العسكري سيء الصيت يمكنهم أن يكتبوا قصصا عن طريقة المعاملة والابتزاز والاستهتار بكل القيم السماوية والأرضية.
دليل المعارك التي خاضها الجيش العراقي السابق ابتداء من قمعه للحركة الأثورية والحركة الكردية بجميع مراحلها وانتفاضة 1948 وقمع التظاهرات التي كان يقوم بها أبناء الشعب أثناء الحكم الملكي وصولا إلى قمع حركة انتفاضة شعبان في عام 1991 وما تلاها من مقابر جماعية وقتل الناس بالجملة في النجف حيث قامت كتائب صواريخ لونا بضرب المدينة بــ ( 44 ) أربعة وأربعون صاروخ مضافا إلى وحدات المدفعية والدروع وطيران الجيش والمشاة التي تقدمت زاحفة باتجاه النجف وكربلاء والناصرية والعمارة والبصرة تسحق أمامها كل شيء من الإنسان حتى الإعشاب الخضراء.
ما كان في معارك فلسطين فله حديث أخر لان التحليل الواقعي والموضوعي يجد أن بعضا من الضباط الأشاوس والوطنيين والأحرار هم من سطّروا لوحداتهم أمجادا خالدة في صفحات الحرب مع الدولة الصهيونية، ولمن أراد شاهدا على ذلك فعليه أن يسأل الأستاذ سليم شاكر الإمام والذي تحول ألان إلى باحث ومحلل سياسي لكي يتحدث عن معركة القنيطرة في حرب عام 1973 ، إذ لولا حنكته وشجاعته لدخلت القوات الصهيونية مدينة دمشق بعدما وصلت إلى أبوابها فقد كان حينها أمراًً للواء(12) المدرع التابع للفرقة الثالثة ، كذلك يمكنه أن يتحدث عن كيفية ذهاب الدبابات من التاجي إلى سوريا سيرا على السرفة لان قيادة الجيش لم تفكر حينها بتزويده بناقلات ثقيلة والتي استحدثت بعد معركة 1973 حسبما سمعته من الفريق المرحوم فاروق عمر الحريري، ولكن بالمقابل كانت هذه القيادة تعمل جاهدة على تزويد الجيش بصواريخ ( سكود الروسية ) حيث تمت أول تجربة إطلاق في العام 1974 وبحضور البكر وكبار قادة الجيش.
كما اشرنا في موضوع ( اجتثاث البعث ) يمكننا القول هنا أن لعلاقة العبودية ونصوص قانون الخدمة العسكرية مضافا إلى نصوص قانون العقوبات العسكرية وغيرها من الأنظمة والتعليمات التي حددت مسيرة الجيش السابق ، كل ذلك كان يسير وفقا لمخطط بناء جيش يمكن استغلاله في الداخل لإحداث مذابح لأبناء الشعب مضافا إلى استغلاله للعدوان على جيرانه، سواء من كان له أطماع في العراق أو من كان للقيادة الغبية أطماع فيه. ولا ننسى أن ( رغبة الأمر أمر ) وهو عنوان كبير متناظر مع شعار ( نفذ ثم ناقش ) حيث لا وجود للنقاش في المعركة مطلقا.
قبل الرجوع إلى التركيبة التي تأسس الجيش عليها سكانيا فانه ومن الواضح للعيان بشفافية عالية هو أن ضباط الجيش العراقي السابق وحسبما أكد ذلك احد أعضاء الكونغرس الأمريكي يوم 10 / 9 / 2007 في جلسة الاستماع لشهادة قائد القوات الأمريكية في العراق ديفيد باتريوس والسفير الأمريكي في العراق رايان كروكر أن عدد الجنرالات السنة فيه هو ( 11000 ) احد عشر ألف جنرالا ، بحيث أن الشائع عند بنات الموصل القول ( لو مُلازم لو مَلازم ) ثم تبدأ النسبة بالتناقص في مناطق الرمادي وتكريت وديالى وكركوك وصولا إلى قسم من الأكراد ، بينما تمثل نسبة الشيعة منهم ما لا يمكن عده ، وإذا ما كان منهم ضباطا فهم من المشاة أو الصنوف الغير فعالة ، حتى أن نظام البعث الصدامي قد حرم دخول كلية القوة الجوية وكلية الأركان على كل شيعي بصورة مطلقة .
بين الضباط والجنود هناك صنفين هما نواب الضباط وضباط الصف ، فأما نواب الضباط فيمكن القول أن نسبة أهالي الناصرية منهم لا تقل عن 95% والباقي من المناطق الجنوبية ، وإذا ما كان هناك من غيرهم فقد وقع سهوا كما يقولون، أما ضباط الصف فهم على نفس الشاكلة لنواب الضباط ، إلا انه ليس منهم من هو غير شيعي.
وهكذا وصلنا إلى المراتب وهم الجيش بلحمه ودمه ، وهنا لابد ليّ أن أطالب من الأخوة من ضباط الجيش السابق والذين تحولوا ألان إلى محللين عسكريين وباحثين ، اطلب منهم أن يقولوا الحق والحقيقة عن الجنود من سكان الوسط والجنوب وبالخصوص من الشيعة الذين كانوا وقودا للمعارك الطاحنة وخير دليل على ذلك هو المعارك الطاحنة مع إيران الشيعية حينما عبر ( خير الله طلفاح ) قائلا {سنحاربهم بكلابهم } وهو ما تحدث به ابنه عدنان في اجتماعات قيادة حزبهم عندما ناقشوا إصدار دستور دائم للعراق ، مضافا إلى أحياء الشهداء التي بُنيت في مدن الوسط والجنوب وهي تعود لعوائل القتلى في القادسية السوداء ، كما يمكن للباحث الإحصائي أن يُراجع سجلات الوحدات الطبية ( وحدات الميدان ) والمستشفيات العسكرية ليطلع على أعداد القتلى في تلك الحرب الملعونة ومناطق سكنهم ، بل يستطيع معرفة مذهبهم من خلال التعرف على أسمائهم الثلاثية ، ومن الممكن إرشاد هذا الباحث إلى مقبرة دار السلام في النجف والسؤال عن مقدار الزيادة الانفجارية التي حدثت أثناء وبعد الحرب تلك وكذلك الاستفسار من مكتبها الرسمي المسمى – الاستعلامات - .
من يقرأ ما نكتبه يتصور بأننا أردنا من ذلك التهجم على الجيش السابق والانتقاص منه أولا وكذلك فإننا كتبنا بروح مذهبية وطائفية قذرة نريد منه إذكاء نار هذه الفتنة الحقيرة التي أشعلتها يد الغدر الصهيونية والمرتبطة بها ، وزاد سعيرها الوصوليون والنفعيون من طلاب الحكم والسلطة والذين تقطعت بهم سبل السلام فسلكوا سبل الفتنة شيعة كانوا أو سنة.
نقول لهؤلاء ، كلا وألف كلا ، إن ما نقصده من هذه الكتابة هو التوضيح للمستقبل المظلم الذي دخلنا به بسبب الاحتلال وكل من ساعد وأسس وعمل وتواطأ وخان الأمانة ، وهو ألان يريد إعادة الساعة إلى الوراء باقتراحهم إعادة التجنيد الإجباري.
لا يمكن للشمس أن تخفى بغربال مطلقا وكذلك لا يمكن لأي إنسان معتدل ومتعادل ويمتلك ضميرا حيا أن ينفي الطائفية والمذهبية التي بُنيت عليها الدولة العراقية في عملية البناء الأولى بعد ثورة العشرين الخالدة ولكنها كانت في الخفاء الكامل ، بحيث تعامل طلاب الحكم حينها بلصوصية حقيرة ، فأسسوا كيانا طائفيا عنصريا . وقد توسعت الهوة هذه في هرم الدولة إلى أن جاء حكم البعث والذي رفع شعارا في العام 1969 يقول { جئنا لنبقى } وقد فعل ما فعل وعمل بكل السبل وكل الاتجاهات من اجل البقاء حتى أدى ذلك إلى عملية التسليم والفضيحة النكراء في التاسع من نيسان 2003 وما سبقها من فضيحة أخرى في خيمة صفوان وهلم جرا.
من إحصائيات نظام صدام البعثي في عام 1987 للسكان في العراق وتوزيعهم حسب الأديان والمذاهب والقوميات في وقتها، حيث كانت النتائج كما مبين أدناه – وقد حصلنا عليها من جهة مسئولة آنذاك – :
أولا : المحافظات التي يمثل الشيعة فيها نسبة 90% فأعلى:
العمارة – الناصرية – السماوة – الكوت – الديوانية – كربلاء – النجف.
ثانيا: المحافظات التي يمثل الشيعة فيها نسبة اقل من 90% :
البصرة 70%
الحلة 80%
ديالى 55%
كركوك 35%
الموصل 25%
تكريت 10%
بغداد 60%
أما نسبة الشيعة الكلية لعدد سكان العراق فهي 58% وهي تمثل 11600000 احد عشر مليونا وستمائة ألف من مجموع السكان في حينها والبالغ 20000000 عشرون مليون نسمة، والباقون يمثلون السنة والأكراد وباقي القوميات والأديان والطوائف والمذاهب.
وعلى فرض أن السنة العرب يمثلون وفقا للإحصاء أعلاه ما نسبته 18% من مجموع السكان أي إن عددهم هو 3600000 ثلاثة ملايين وستمائة ألفا ، ومن هذا نجد أن نسبة الجنرالات السنة في الجيش السابق وحسب إحصائية المحتل الأمريكي التي ثبتناها أعلاه وعددهم ( 11000 ) احد عشر ألفا بالنسبة إلى عدد سكان العراق هي 55 0 و. % خمسة وخمسون بالإلف بالمائة من مجموع السكان ونسبتهم إلى عدد أفراد السنة العرب تساوي 3 و. % ثلاثة بالإلف بالمائة ، وأما نسبتهم إلى عدد الجيش السابق بضباطه ومراتبه والمقدرة بمليون فرد ( 1000000 ) فتكون 1 و1 واحد وواحد بالعشرة بالمائة.
ولسنا نبحث عن المُكّون الذي يمثل الأغلبية العددية مطلقا، ولكنا نقول لمن يريد إعادة التجنيد الإجباري لكي يتخلص من المحاصصة الطائفية واختراق المليشيات والإرهابيين للجيش الحالي ، فما عليه إلا أن يُلاحظ أمرين في غاية الأهمية فيهما رد علمي ومنطقي على أملهم الشيطاني هذا ؛ الأول هو إن التركيبة الديموغرافية للأمة العراقية وعلى الأرقام أعلاه والتي تغيرت إيجابا لصالح الشيعة منذ تلك الإحصائية وخصوصا بعد الاحتلال الثاني للعراق، وعلى فرض بقاء الأرقام على حالها فإن ذلك يعني أن المجندين الذين سيدخلون الجيش سيمثلون ذات النسب أعلاه ، وعلى ما أظن فإن هذا من بديهيات علم الرياضيات، وبعبارة أخرى سيمثل الشيعة الغالبية في تركيبة الجيش إذا ما عدنا إلى التجنيد الإجباري.
أما الأمر الثاني فهو تغير المعادلة السكانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق بعد الاحتلال الثاني ، إذ لا يمكن العودة بعد الآن إلى الوراء مطلقا ، أي انه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنتشر قوات قوامها من السنة العرب في المناطق الجنوبية أو الوسطى كما لا يمكن أن يحصل العكس ، إلا بالحالات التي شهدناها بمرافقة قوات الاحتلال ولتنفيذ عمليات إبادة كما حصل في الفلوجة على عهد القائد الملهم السيد أياد علاوي ، الذي يعتبر أن من أهم انجازاته إذا ما عاد إلى كرسي رئاسة الوزراء هو تطبيق التجنيد الإجباري.
هنا أقول للسيد علاوي انك ومن عمل معك في مجلس الحكم العتيد !!! قد أسستم النظام الطائفي الجديد في حكم البلاد بصورته العلنية ، ولما إنك تُصر إصرارا وتُلح إلحاحا على علمانيتك ولبراليتك ومعك قائمتك الوطنية ، فكيف يمكن أن تكون رئيسا للوزراء ضمن الصفقة التوافقية المذهبية . وإن كنت نسيت فإني أذكرك بأن رئيس الجمهورية كردي ونائباه شيعي وسني ورئيس البرلمان سني وأما رئيس الوزراء فيجب أن يكون شيعيا وأنت لست شيعيا – اعرف ذلك إذا لم تكن تعرفه – وبهذا فلن تتمكن من الرجوع للحكم وبالتالي لن تستطيع إعادة البعثيين للحكم ولن تستطيع تشكيل جيش يكون طوع أمرك لتعيد أمجاد البعث ومهالكه ومصائبه على الشعب والجيران ، ثم ألم تحتل موقعك رئيسا للوزراء لكونك شيعيا ووافقت عليه في حينها وصرت أول رئيس وزراء طائفي؟.
ونعود فنقول إن القادة الذين تمت محاكمتهم في محكمة الأنفال ، كلهم تملصوا من المسؤولية تحت نفس السبب الذي بيناها سابقا ، وكونهم ينفذون أوامر القيادة العليا وهي التي أمرت بإبادة الأكراد وتهجيرهم وإبادة الاثوريين والشيعة والتركمان والأحزاب السياسية ورجال العلم والدين وشردت العراقيين ، وسلمت البلاد إلى الأنكلوسكسون في عام 2003 ، وهي نفسها التي أحرقت الأخضر واليابس ودمرت كل ما لم تستطع تدميره سابقا وذلك بإعلانها مقاومة الاحتلال الذي وقّعت له في خيمة صفوان صك الذل والهوان وباعت سلاحها ( وهو شرف العسكري ) لكي تعود إلى أهلها في حرب تحرير الكويت منهم وأخيرا استجدت الملابس المدنية من الناس حتى ترجع إلى مدنها في مهزلة الهزيمة الشنعاء في عام 2003 .
لمن يقترح أو يطالب بإعادة التجنيد الإجباري لأجل التخلص من الطائفية سواء من كان سياسيا أو ممن أدلى بدلوه في بحر السياسة أخيرا لعدم وجود حامي ورادع لهذا البحر نقول لهم :
{ منذ كنتم معارضة في خارج البلاد – والله يعلم كيف كنتم تعارضون من الخارج – وانتم منقسمون طائفيا وعرقيا ومؤتمر بيروت الأول لكم وفشله للصراع على من هي الأغلبية خير دليل إذ كانت النتيجة ما حصل في مؤتمر صلاح الدين وعدم موافقة الباججي الدخول في تشكيله تنفيذية بصفته سني والذي لم يُعرف عنه المعارضة إلا في قصور المرحوم الشيخ زايد ، ودخلتم بعد قوات الاحتلال لتشكلوا مجلسكم للحكم على أساس طائفي عنصري وتستمروا في العملية السياسية كما تسمونها على الأسس الطائفية والعنصرية وتصارعتم على الانتخابات الأولى بذات الصفات وشكلتم حكوماتكم وكتبتم الدستور وانتخبتم البرلمان وكلها تحت العباءة الطائفية والعنصرية ؛ فالائتلاف شيعي والتوافق سني والتحالف كردي وهكذا سرتم بالبلاد والعباد في طريق الفتنة التي اشتعلت ولن تستطيعوا إيقافها بتجنيد إجباري أو مصالحة وطنية وغيرها من مؤتمرات ومؤامرات أبدا، ولست هنا منظرا حتى أدلكم على الطريق للخلاص من سرطان الطائفية السياسية التي ركبتموها مطية لكم لكي تتربعوا على كراسي الحكم الزائل كما الدنيا زائلة لو كنتم تعقلون. فأنتم والجميع يعرف أننا لا نعيش صراعا طائفيا إلا بسبب أطماعكم انتم في التحكم بالبلاد ونعم الله عليها ، لأنكم لو أردتم لما وافقتم مطلقا على أن تجري الانتخابات بشكل قائمة واحدة للعراق أو قوائم للمكونات لان هذا هو التجسيد الواقعي للطائفية ولكي تحصلوا على مقاعد وفيرة في مجلس للنواب عن أنفسكم وليس عن الشعب لان هذا الشعب لا يعرف مَنّْ أنتخب كما يقول السيد عبد مطلك الجبوري في مقابلة له مع قناة البغدادية حيث أكد انه دخل الانتخابات ولا يعرف من معه في القائمة !!! . عودوا إلى المنافسة الفردية في انتخابات حرة ونزيهة ولا تشرف عليها مجموعة من الطائفيين والعنصريين وغير المؤهلين وحينذاك ستعلمون أن الطائفية ستموت من دون إجراء العمليات العسكرية والصراع على الكراسي وانتظار تقرير السفير والقائد الأمريكي أبدا ، فحل قضية العراق عراقي وسيبقى عراقي إنشاء الله ، ولكن بعدما يتحرر البلد من رجس الاحتلال إن آجلا أو عاجلا .}
وإن غدا لناظره قريب ...
والله من وراء القصد.



ليست هناك تعليقات: