الاثنين، 30 يونيو 2008

الانتخابات القادمة - قراءة موضوعية مسبقة - الحلقة الخامسة

الانتخابات القادمة
قراءة موضوعية مسبقة
- الحلقة الخامسة –
محمد سعيد الخطيب
القراءة الموضوعية لتاريخ الممالك الأموية والعباسية والعثمانية وما شاكلها من ممالك اتخذت مسمى الخلافة والخليفة أسلوبا للسيطرة على مشاعر وعواطف وأحاسيس الناس ، يجد أن جميع الملوك مهما كان اقترابهم من الدين وتطبيق الطقوس العبادية المفروضة من الله تبارك وتعالى فكلهم بالجمع يضعون على دكت القضاء من يسمونهم القضاة على أساس أن هؤلاء هم أعلم الناس بأمور الدين ، وكانوا يعودون أليهم في استحصال الفتاوى التي يحتاجها الملك منهم لأمر ما مثل الإفتاء بهدر دم شخص معارض أو مناوئ مهما كان موقعه أو نسبه أو أية ميزة أخرى عنده ، وهذا ما ذكره لنا تاريخنا ؟! عن قيام المنصور الدوانيقي بقتل الشيخ أبو حنيفة النعمان جلداً بالسياط لأنه رفض إصدار فتوى بهدر دم زيد بن علي بن الحسين سلام الله عليهم؟!.
إذن تاريخنا الذي بين أيدينا يؤكد حقيقة ربط هذا اللفظ وهذا التعبير برجال البلاط ممن يوافقوا على تولي القضاء بالإضافة إلى المهمة الأساسية وهي إصدار الفتاوى المطلوبة ، وهؤلاء بطبيعة عملهم ووجودهم في البلاط فقد كانوا بعيدين عن الناس أو ما يسمون بالجماهير ، وفيما عدا البلاط فقد اعتمد فقه المذاهب - عدا الشيعة - بما يمكننا تسميته بفقه المسجد وذلك لوجود أمام الجماعة أو المؤذن في المسجد وهو جاهز للإجابة عن استفسارات الناس وعقود زواجهم وما شابه ذلك وهذا ما معمول به حتى ظهور { حركة الأخوان المسلمين } في مصر خلال العقد الثاني والثالث من القرن المنصرم ؛ فخرج فيها اهتمام هؤلاء الأئمة والمؤذنين ومريديهم إلى خارج المساجد ،فبدؤوا ما يسمونه دعوة الناس للإسلام أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصولا إلى الجهاد والتكفير وغيرها من المفاهيم المتطرفة والتي وجدت طريقها إلى عقول الجماهير التي انغلقت أمامها كل سبل الخلاص من الظلم والبغي الذي تعيشه اقتصاديا واجتماعيا وفي غيرها من نواحي حياتهم ، فكان ما يقال عنه ( الصحوة الإسلامية ) والتي اعتمدت على العقل أولا وعلى روايات وسيرة السلف السابق ثانيا ؛ مع إحاطة كلا العاملين السابقين بهالة من التقديس المطلق قبولا وسندا وموضوعا ومفهوما وتطبيقا ،وقد صَاحَبَ ذلك استغلال طبقة ( وعاظ السلاطين ) أو ( مستخدمي الدين ) لهذه الفطرة البشرية السليمة بنفس أساليب أولئك السابقين من خَدَمَةْ العروش والتيجان ، فكان ما كان وما هو كائن حاليا من تكفير وتطرف وقتل وما يسميه اليهود والنافرين معهم اليوم ] تقول الآية رقم 6 من سورة الإسراء { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا } [ يسمونه { الإرهاب } ، والحديث عن الفتوى والمُفتي ليس محله هنا ، ولما حصل من علاقة بالعملية الانتخابية والسياسية في العراق بعد الاحتلال والفتوى فقد مررنا عليها .
وهكذا ظل صاحب الفتوى وبقيت الفتوى ومعها ما يسمى ( رجل الدين ) حبيسٌ مُرتهن للسلطة التي اعتمدت المذاهب التي تسمى أيضا (( مذاهب أهل السنة والجماعة )) ، وبعبارة أخرى فأن المتتبع والباحث يجد أن تلك الفتاوى قد جاءت أما بأمر السلطة أو تنفيذا لرغباتها أو تبريرا لأعمالها أو مشاريعها وتوجهاتها والتي ما زالت قائمة دائمة حتى ساعتنا هذه ، مع وجود فتاوى بجانب تلك مثيرة – ولا أريد الزيادة على تعبير الإثارة – تتحدث عن رضاع الكبير وشرب بول البعير وهلم جرا مما يتوخى المفتي فيها الإثارة والإثارة فقط مع سخط الله الذي أمر بنجاسة الدم وتحريمه فأحله إلى الطاغوت والفرعون صدام عدد لا غفر الله لهم من أصحاب الفتاوى ، عندما كتب القران المجيد بذلك الدم النجس موضوعا داخليا وخارجيا .
ونتيجة بديهية للتطور الثقافي والعلمي الذي حصل وخصوصا في القرن الماضي فقد ظهرت حركات التطرف من التكفيرية مثل ( التكفير والهجرة والقاعدة وتشعباتها ) وغيرها من أحزاب وتيارات وتكتلات حملت أسماء أخرى ولكنها جاءت جميعا ردة فعل على ما وجده المنتمين للمذاهب تلك من ارتماء في أحضان السلطات وتبرير أفعالها القمعية وفي الواقع الموضوعي الخارجي لهذه الجماهير أنها تجد نفسها تحت سيف سلطات لا ترعوي بدين ولا قيم ، فهي تعيث في الأرض فساداً من قتل وتشريد وخراب وتدمير ومؤامرات لم يسلم منها الآباء لأجل كرسي وصفه احدهم فكان نعم الوصف – أي كرسي الحكم مهما صغر أو كبر فهو يشبه كرسي الحلاق - فكان رد الفعل سلبياً جداً وهو الارتماء في أحضان السلفية التكفيرية وغيرها والتي أفرزت للواقع الموضوعي مفتين بعمرٍ لا يؤهلهم لإكمال قراءة ما يتعلق باللغة العربية وقواعدها والتي هي الأساس عند أهل الفتاوى.
في الجانب المقابل بقي الشيعة وما دام أئمتهم موجودين بينهم لا يحتاجون فتوى احد ، فهم مأمورون بالرجوع إليهم لأنهم أهل الذكر كما تقول الآية رقم 43 من سورة النحل { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } واستمر حالهم حتى طيلة فترة الغيبة الصغرى ووجود النواب الأربعة مع ردح طويل من الزمن بعد وفاة النائب الرابع وبدء الغيبة الكبرى .
ولكن اللجوء إلى المسائل العقلية كما أسموها واعتماد بعض الروايات عن بعض الأئمة عليهم السلام ونسبة وصايا إلى الأمام المنتظر ( عج ) حول التقليد وغيره ، والانقسام الشهير بين من مثلوا ما هو أقرب إلى سلفية الشيعة وهم {الإخباريون } والقسم الثاني الذي اعتمد الاجتهاد والاستنباط وهم { الأصوليون } وخلال الصراع القائم بين الفريقين استطاع الأصوليون تحييد وجود وظهور الإخباريين وأفرغوا الساحة لهم .
يرى الإخباريون أن السياسة والحكم وكل متعلقاته من اختصاص الله تبارك وتعالى وهو يعطيه أو يختص به من يشاء من عباده وهم الأوصياء أو ألائمة حتى عند غيبة الإمام عن المشاهدة للناس ولكنه موجود بين ظهرانيهم ، وقد رأى كثير من الأصوليين ذات الرأي أيضا ، ولكنه وخلال القرن الماضي ظهرت عند الأصوليين قيادات وأتباع لها ترى ضرورة المطالبة بالحكم واستلامه والتي بدأت بصراع المستبدة والمشروطة في إيران ، وقد تطورت نظرية الحكم هذه فيما بعد إلى ولاية الفقيه العامة ، مع التأثر بأفكار حركة الأخوان المسلمين فقد ظهرت إلى السطح حركات سياسية وأحزاب مذهبية اعتمدت ولاية الفقيه مصدراً ودستوراً ومنهاج عمل.
بهذه العجالة والاختصار الشديد جدا يمكننا تحديد بداية لدخول الشيعة معترك الحياة السياسية والذي بدأ في إيران ومن ثم العراق ، وقد عملت السلطات السنية على قمع هذه الحركات والأحزاب بصورة دموية حتى استلام صدام للحكم والذي أعمل السيف في الرقاب كما يقولون فأحدث مذابح للشيعة بحجة الانتماء لهذه الأحزاب أو الحركات حتى كان قراره بإعدام المنتمين والمؤيدين لحزب الدعوة الإسلامية بأثر رجعي – وهي سابقة لم تحدث في العراق سابقا ولا لاحقا مع أي حزب أو حركة أخرى – وكذلك متابعة أقرباء المعدومين وحتى الدرجة الرابعة في القربى مما يؤكد بشكل مطلق أن العملية بمجملها يُراد بها تصفية العدد الأكبر من الشيعة ليس غير.
سيتبع في الحلقة القادمة بحث الدور السياسي الشيعي قبيل وبعيد الاحتلال الغاشم أنشاء الله .....

ليست هناك تعليقات: