الأحد، 6 يوليو 2008

في عراقنا اليوم ... 11 الصحوة

في: عراقنا اليوم ... 11
- الصحوة -
محمد سعيد الخطيب أل يحيى

يستخدَم العراقي كلمة ( الصحوة ) على حالة السُكُرْ من شرب الخمر وغيره مثل التخدير عند إجراء العمليات الجراحية وكذلك في حالة المرض واستعمال ثالث عن حالة الغفلة غير المتعمدة – وهنا يجب التوقف عند غير المتعمدة – ومما درج عليه القول عن الشخص الذي يهذي بكلامه ويتصرف بغير اتزان ( انته صاحي لو سكران ) وهو استعمال دارج في طول البلاد وعرضها.
وبذات الاستعمال قد جرى إطلاقها على مجالس حملت هكذا ( مجالس الصحوة ) في عدد من المناطق العراقية وخصوصا تلك الموصوفة بالساخنة امنيا نتيجة وجود ما يسمى بمجاميع القاعدة التي تخوض معارك الجهاد – هكذا يرى منظروها شرعا وهو بخلاف كل ما جاء به محمد (ص) – ضد الكفر الصليبي – وهم ليسوا كفارا حسبما وصفهم دستور المسلمين وهو القران بل أصحاب ديانات باقية حتى تقوم الساعة – وهذا ما جاء في نص القران الكريم ولمن أراد فعليه أن يتدبر القران بنفسه وليس بعيون وعقول غيره لأنه ( نعني القران ) أمرنا شخصيا بتدبر الآيات وليس (الحزورات ) التي تحتاج إلى فلان وعلان لكي يَحِلّوا لنا هذه الطلاسم فتزهق النفوس وتستباح حرمات الله لان فلان وعلان يُفسر أو يؤول بما يراه نقلا برواية لم يتفقوا عليها أو عقلا وذلك بوضع العقل ربا مقابل الله عز وجل.
من المؤكد عندي شخصيا هو دخول المقبور ( ألزرقاوي ) إلى العراق ضيفا مكرما على جهاز المخابرات العامة العراقية قبل احتلال البلاد في عام 2003 وقد قام أفراد الجهاز باصطحابه في جولات شملت المناطق العراقية مسحا جغرافيا وبالأخص الحدود الشرقية ، ولمرضى الشك والتشكيك أقول بان هذه المعلومات أخذتها من مكان السكن له في إحدى مدن العراق !!؟؟.
كما أن من المؤكد أيضا دخول أعداد من المتطوعين العرب وغير العرب قبل 21 آذار 2003 وبعده للقتال إلى جانب القائد المؤمن ( عبد الله المؤمن ) وصد الغزو الصهيوني الصليبي – كما يسموه – عن ديار المسلمين وقد شارك عدد منهم في معارك جانبية خاسرة مع الجيش الأمريكي وكان نتيجتهم القتل طبعا.
ضمن سلوكية النظام البائد وأجهزته الأمنية والقمعية فقد تم سحب كافة المستمسكات الشخصية العائدة لأي فرد منهم بحيث أن احدهم جاء أبوه من سوريا لكي يتعرف عليه بعدما جال على عدد من المدن العراقية إلى أن وجده في مستشفى إحدى المحافظات ، وأما الناجون فقد تمكن قسم منهم العودة إلى الأراضي السورية وهم نفر ضئيل العدد وأما القسم الأكبر فقد التجئوا إلى مدينة الفلوجة والتي استقبلتهم سواء في المساجد وحتى في بيوت بعضهم وقدموا لهم كل ما تمكنوا منه من أسباب العيش ، بل قاموا بتوفير الحماية لهم عند دخول قوات الاحتلال الآثمة إلى المدينة لكونهم لا يمتلكون أية مستمسكات تثبت شخصياتهم المدنية.
بعد فترة وجيزة وجد هؤلاء أنفسهم بين البحر والعدو – كما فعلها طارق بن زياد مع جيشه – فقد فعلها القائد الشهم المقدام – صدام معهم أيضا مضافا إلى أن كثير من أهالي الفلوجة ضاقوا ذرعا ونفذ صبرهم من وجودهم – طبعا هذه المعلومات من احد أساتذة الجامعة من أهالي الفلوجة المعروفين رحمه الله لأنه استشهد على يد زمرة أرادت الغداء مع الملائكة فقتلته صبرا ومن دون ذنب – وحينها تحركت القوى التي سلمت أو ساهمت بتسليم البلاد والعباد للمحتل الغاشم – أما لأنهم لم يحاربوا أو أنهم دخلوا الحرب من غير عده – وبهذه المناسبة فلأن للمصريين أهزوجة قالوها بعد حرب حزيران التي حررت فلسطين !!؟؟ يقولون (( اللهم ألعن ؛ عبد الحكيم بن عامر لأنه تولع في حب ورده – المقصود وردة الجزائرية حبيبته – وشمس بن بدران – وزير الحربية المصري حينها - لأنه دخل الحرب من غير عده وعبد الثابت بن عبد الدايم – يقصدون رئيسهم في حينها – لأنه لزم الحكم أطول مدة )) فهؤلاء أيضا منهم من تولع في حب أمثال وردة أو من دخل الحرب من غير عده وقائدهم الذي لزم الكرسي حتى عندما وجده الجنود الأمريكان في جحر ضب وسألوه عن نفسه فقال – صدام حسين رئيس جمهورية العراق – وظل يرددها في التحقيق معه وفي محكمته أيضا.
هذه القوى لم يثيرها الاحتلال وجيوشه التي دنست الأرض وهتكت العرض فالتاريخ الحربي يشهد وكذلك التاريخ المدني لسير المعارك في مدنهم يوم أن وقعوا مع قيادة قوات الاحتلال وثائق التسليم من غير حرب، ولكن الذي أثارهم هو أن الاحتلال جاء معه تغيير البوصلة السياسية في العراق ، مضافا إلى قرارات الصهيوني ( برايمر) وأدارته المتصهينة في حل الجيش السابق – وهم عموده الفقري خصوصا الضباط – والأجهزة الأمنية والقمعية – وهم منتسبوها بامتياز – ووسائل الإعلام – وهم قادة إعلام النظام البائد ، ولا ننسى قانون اجتثاث البعث سيء الصيت والذي بقدر ما وفر لبعضهم الحماية من انتقام الشعب إلا انه أصبح قميص عثمان يرفعه كل من تضرر من الاحتلال سلبا بدون حياء من شعب ظلمه البعث أكثر من ثلاثة عقود من الزمن !!!، وكل هذه وذاك جعلهم أمام أمر واقع جديد دفعهم إلى حمل السلاح وبدؤوا بمشروع مقاومة الجيوش المحتلة – هذا ما فهمته من احد القيادات في منطقة الانبار في نهاية شهر مايس 2003 – وأضافوا لها ضرب المكونات العراقية التي اعتمد المحتل على بعض أبنائها في تنفيذ معادلته السياسية الجديدة.
هنا أنظم هؤلاء المتطوعين إلى هذه الجماعات لتوفر السبب الطائفي القذر لدى الغالبية العظمى منهم وزادوا على ذلك بإرسال النداءات المتكررة لأمثالهم في دول الإقليم وغيرها للالتحاق بهم ومعهم !!.
كما لا يمكن تغافل الدافع الطائفي المقيت الذي يسيطر على تعامل الجوار الإقليمي مع العراق – بشقيه السني والشيعي – في بلدانهم أيضا والذي كان له عظيم الأثر على تقديم الدعم البشري وخصوصا فتاوى الأصنام البشرية والمادي من أموال السحت الحرام ولا ننسى المعنوي الذي تولته فضائيات خاصة يعرفها القاصي والداني وقد تطور هذا الدعم إلى الجانب الرسمي حتى بلغ إلى تصريحات الملوك والرؤساء !!!؟؟؟.
على ضوء هذه المعطيات يمكننا تقسيم العمليات القتالية التي حصلت في العراق منذ حزيران 2003 حتى ظهور الصحوة ومجالسها على النحو التالي :-
1) في المنطقة الغربية : وكانت المعارك محصورة بين من وصفناهم أعلاه والقوات المحتلة الأمريكية وغيرها ، حيث لم تحصل مناوشات طائفية لقلة التداخل نسبيا.
2) اتسمت العمليات في الموصل وكركوك وديالى بنسبة كبيرة من الطائفية والتطهير الطائفي للشيعة مع بعض العمليات ضد المحتل.
3) امتازت بعض مناطق تكريت بهدوء نسبي ضد القوات الغازية فيما شهدت مناطق أخرى منها بعمليات طائفية بامتياز وضد الشيعة بدأت في سامراء بطرد ممثل المرجعية بعد اختطاف ابنه الأكبر وطرد وقتل العاملين في الدوائر من الشيعة وغيرها من الأحداث.
4) تركزت المعضلة الكبرى في مدينة بغداد الكبرى أيضا والتي شهدت صراعا طائفيا قذرا مستميتا شمل القتل على الهوية والتفجير والخطف والتهجير والسيارات المفخخة ضد الشيعة سواء مساكنهم أو جوامعهم أو حسينياتهم أو أسواقهم وغيرها حتى وصلوا إلى المراقد المقدسة والمناسبات الدينية في النجف وكربلاء والكاظمية، فمثلث الموت في طريق بغداد – الحلة وطريق الموت في طريق بغداد – الكوت وهكذا.
5) كانت العمليات في المدن الأخرى ضد قوات الاحتلال بامتياز مثل الناصرية والبصرة وغيرها.
طائفيا كان رد الفعل الشيعي مرجعيا دينيا ومرجعيا عشائريا ومرجعيا سياسيا بالإضافة إلى رد فعل القواعد الشعبية الشيعية لا يتجاوز الاستنكار والشجب والدعوة إلى ضبط النفس وصاحبها ردود فعل غير منضبطة حصلت هنا وهناك ولكنها لم تك مؤثرة.
حصل المتطوعون على مأوى لهم والدعم اللوجستي فاق حتى تصوراتهم وتَدّافَعَت عليهم سيول المتطوعين الجدد وهم يريدون تناول وجبة مع الرسول (ص) بعدما يُفجّروا أجسادهم النتنة في أي تجمع للأبرياء من الشيعة وليس الأمريكان والصليبين وانهالت عليهم الريالات والدولارات والدراهم والدنانير من كل صوب وحدب مع تقديم السلاح الجديد والمتطور لمن يقول أن عدو عدوي صديق لي – مبدأ برجماتي بامتياز - ، كل هذا يأتي من دول الجوار الإقليمي خصوصا مع الحشد ألمغاربي والأفغاني واليمني والسوداني وغيرها ، كما تم الاستفادة مما تركه جيش صدام المندحر؛ إذ أن كثيرا من ضباط هذا الجيش وخصوصا الكبار منهم يُديرون حاليا هذه الفصائل والتي تمتلك المعلومات الدقيقة عن مواقع دفن تلك الأسلحة والعتاد حتى تلك الطائرات الحربية في الرمال!!؟؟.
إلى هنا فإن الكل مع الكل متعاونين في تنفيذ هذه العمليات الإرهابية الإجرامية بامتياز واضح وشملت مدارس وأسواق ومستشفيات ودور عبادة وغيرها مما أسلفنا ذكره وقد – تفيد التحقيق هنا – كانت ضحايا بعض هذه العمليات قد تجاوز الآلاف من الشهداء فيما عدا المفقودين والجرحى والمعاقين مثل تفجيرات الحلة والصدرية وكارثة جسر الأئمة وهلم جرا.
ومع كل هذا أيضا والرد الشيعي لا يمكن رؤيته حتى بأدق النواظير والمجاهر لان أوامر المرجعيات كافة وبالأخص الدينية حرّمت ومنعت وأصرت على عدم الرد والصبر والمحافظة على روح الأخوة في الدين والوطن.
ومع كل هذا أيضا كان التمادي في الغي والبغي والظلم لذي القربى تزداد ساعة بعد ساعة لرؤية اكبر كمية من الدماء الشيعية تسيل إلى مجاري المياه الثقيلة بواسطة رجال الإطفاء والأجساد الشيعية تتطاير والأعضاء تبتر وتقطع.
جاءت الطامة الكبرى يوم تجرئ النفر الضال ومن هم وراءه على العتبة العسكرية المقدسة في سامراء ليفجروها ويدمروا اكبر قبة مذهبة في العالم والشباك الذهبي والمنائر والقبور المقدسة – ولو عند جيرانهم وحق الجار على الجار كما يقول العرب - .
من هنا بدأت (( الصحوة الشيعية )) بهيئة زلزال عنيف شديد مدمر غير منضبط وعفوي في كثير من حلقاتها بحيث قلبت المعادلات كلها وأعاده توجيه الرؤوس السادرة في غيها ، فقد أصيب البعض بعماً فوق عماه والأخر صمماً وبعضهم الأخر اخذ يعو لاهثا مذهولا من شدة ما يرى ويسمع – ولكن ذلك من خلف الحدود - .
لقد كانت هذه الصحوة الشيعية الثانية بعد صحوة العام 1991 وهي صنوها الكامل كونهما ردتا فعل عفويتان وغير منضبطتان وغير مدروسة ولم يجري أي تهيئة لهما ولمستلزماتهما ، لهذا فهي مثلت اخطر اللحظات الزمنية التي مرت في تارخ العراق المعاصر لحد الآن على الأقل، فقد وضعت الصحوة الشيعية الثانية الطائفتين الرئيسيتين في العراق على شفير الحرب الاهليه إذا لم يكونا دخلاها فعلا.
كان بعض الطائفيين من كلا الطرفين يرى في هذه الكارثة اقصر الطرق وأفضل السبل لكي يحققوا مآربهم وما خططوا إليه ، وصاروا يقتلون ويهجرون لتقسيم مدينة بغداد خصوصا إلى شقين سني وشيعي بعدما عَشَوّا عن ذكر ربهم سبحانه فقيّض لهم شياطين قرناء لهم فتناسوا أن هذه الحرب – لو حدثت بشكل رسمي في العراق لا سامح الله بين الطائفتين – فإنها ستفتح باب جهنم الكبرى على العالم الإسلامي من أقصاه إلى أدناه ، وليسألوا طارق عزيز فيجيبهم كما أجاب سابقا في دمشق ، وما قتل ( بنظير بوتو ) الشيعية في الباكستان مؤخرا إلا فاتحة لبابٍ من أبواب الفوضى الخلاقة فقد بدأت الأخبار تصلنا عن قتال بين السنة والشيعة في ذلك البلد.
إلى هذا الحد توقف الزمن عند الأطراف الطائفية والمخططين لها من الداخل والخارج الأدنى والأقصى ، فكان بإزاء تلك الصحوة الشيعية أعادت الحسابات وترتيب الأوراق مجددا ، فانطلقت الصحوة والإنقاذ في الرمادي لتشمل فيما بعد كل محافظة الانبار وتنتشر شمالا وشرقا وجنوبا وشرقا.
هذه هي الصحوة فعلا : هي عودة للرشد وتمييز الطريق بعد التيه بعدما وجد الطائفيون من كلا الطائفتين طبعا أنفسهم غير قادرين على أعادة المارد إلى قمقمه بعدما انطلق ماردا شيعيا بامتياز مطلق ، وان الاستمرار بالنهج الطائفي السابق ما هو إلا تدمير كامل وإهلاك للحرث والنسل ليس في العراق ولا الإقليم بل كل مكان فيه جمع من المسلمين.
وبهذا ترسخت القناعات وتركز الأيمان بالمعادلة السياسية الجديدة والتي جاء بها المحتل وفرضها ودافع عنها وأعلن انه سيبقى مدافعا عنها لأنها حجر الأساس في مشروعه للفوضى الخلاقة وتقسيم المقسم وتجزئة المجزئ.
وما غدت أمريكا عدوة بل أصبحت واشنطن ولاس فيغاس وفينيسيا والبندقية ولندن مدينة الضباب ، صارت مساجد وجوامع وقبلة لهؤلاء الطائفيين يجالسون الرئيس بوش الابن بكل رحابة صدر
بعض الجهات المريضة تحاول الآن التسلل إلى الصحوات أو استغلالها أو التحدث عنها أو باسمها بهدف أمكانية أعادة خلط الأوراق وإعادة الأمور إلى ما قبل التاسع من نيسان 2003 .
ولكن نقول لهؤلاء ... هيهات هيهات ذلك أبدا ، فقد تعادلت الصحوات بين الأطراف كلها ولن ينفع اليوم دسائس ومؤامرات مع بيضة ألقبان أو من دونها في بغداد أو دوكان أو واشنطن وعمان ، فقد انبلج فجر جديد لا يمكن أن يُحجبْ ضوءه إلا بجبال من أجساد العرقيين البسطاء الذين يريد هؤلاء وأمثالهم أعادة إرسالهم إلى محارق نزوات الحروب والمعارك .
والله من وراء القصد...

ليست هناك تعليقات: