الأحد، 6 يوليو 2008

اجتثاث البعث - بين اجتثاث الفكر واجتثاث الانتماء

اجتثاث البعث
بين اجتثاث الفكر واجتثاث الانتماء
محمد سعيد أل يحيى

يقول برايمر في كتابه عن تجربته العملية في حكم العراق، العملية لأنه نظريا سبق له ممارسة ذلك قبل إرساله للعراق وهذا من البديهيات ، إذ ليس من المعقول ولا المقبول أن تُرسل الدولة العظمى جاهلا بمعنى عدم عارف بكل ما يحيط بمهمته وذلك قبل وصوله لأداء تلك المهمة، يقول الحاكم هذا بان قانون اجتثاث البعث الذي أصدره شخصيا قد جاء بصيغته الانكليزية من واشنطن وتمت ترجمته من قبل فريق العراقيين الذين رافقوا قوات التحرير الانكلوامريكية !!!؟؟؟...
ويضيف الحاكم هذا بان هؤلاء المترجمين من العرب والأعراب هم الذين ترجموه إلى اجتثاث وهو بريء منه براءة الذئب من دم يوسف كما يقولون، بل الذنب يعود للمترجمين العراقيين والعرب أولئك.
هذا التسطيح المعرفي الذي يحاول به السيد برايمر مواجهة العراقيين ، الذين يعرفهم هو ومراكز بحوث دولته العظمى وغيرهم من الدول على طول الأرض وعرضها ، يعرفونهم على حقيقتهم والتي اختصرها احدهم أيام الحرب العراقية نيابة عن كل أعداء إيران وتجربتها الجديدة معها فقال { علينه مو حتى ثلج قلينه } وهو يدلل على الروح الاستقرائية والتحليلية التي يتمتع بها الفرد العراقي .
يُحلل العراقي حتى سلام الآخرين عليه ووجهتهم أثناء السلام وطريقة الرد وهلم جرا بحيث يستطيع أن يجعل من هذا السلام ورده أطروحة يستحق عليها درجة من درجات الفلسفة تناسب درجته التعليمية وقد تكون درجة الدكتوراه مباشرة حسب قناعة اللجنة المناقشة ، طبعا هذه اللجنة غير مرتشية قطعا ولم تُشهر بوجهها الأسلحة لكي تضع رأي السلاح وليس رأيها وليست من الذين حصلوا على شهادة الماجستير لأنهم أكملوا دراسة كتاب المكاسب الفقهي كما يحصل حاليا ولا من خريجي سوق مريدي العتيد.
والمثل أعلاه يوضح جانبا من شخصية العراقي فهو يقول للمقابل بأنك لا تستطيع تمرير ما تريده من فهلويات وأكاذيب لأننا استطعنا أن نقلي ( عملية طبخ المواد الغذائية بواسطة الدهون والنار ) الثلج فكيف يمكننا أن نصدق هذه الأكاذيب والفهلويات.
لقد كان للروح التحليلية والقابلية لاستقراء الحالات والأمور الأثر الواضح في بقاء العراقيين كبشر محافظين على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم على مر العصور والدهور لأنهم استعانوا بهذه الصفة في الابتعاد عن مواطن الشر ومواضع القتل من قبل كل من حكمهم أو يحكمهم سواء كان من أبناء جلدتهم أو مستوردا من بلاد الأعراب أو أجنبيا وصفه القران الكريم بأنه أعجمي لعدم معرفته العربية لغة الدين القران المجيد حيث إن من لا يعرف العربية فهما وليس قراءة لا يمكن أن يفهم ( اشهد أن لا اله إلا الله واشهد أن محمدا رسول الله ) وأؤكد على يفهمها وليس ينطقها بلقلقة اللسان.
وبعبارة أخرى فانه من الصعوبة بمكان أن يستطيع أيٌ مَنْ كان تمرير مشروعه أو فكره أو رأيه على العراقي إلا بواسطة استخدام القوة المفرطة والشدة الغليظة وهذا ما يشهد عليه تاريخ شعوب وأمم هذا البلد الماضي والأوسط والحاضر منها وصدام أوضح وأبلج الأمثلة والأدلة.
والعراقيون ابتلوا بالبعث والبعثيين مبكرا حيث حضر الدكتور سعدون حمادي المؤتمر التأسيسي لهذا الحزب في دمشق وقد انتقل إلى منطقة الناصرية وبالأدق منطقة سوق الشيوخ وانتشر بين أوساط الشيعة العرب كانتشار النار في الهشيم وذلك لسبب واحد هو حسبما سمعته من عدد من أوائل البعثيين، وهو يفيد الشيوع، وهذا السبب هو ردٌ على انتشار الحركة الشيوعية وسيطرة القيادة الإيرانية على مذهب التشيع مما أدى وبسبب فتاوى المرجعيات تلك إلى تأخر دخول أبنائهم المدارس لتحريمها من دون توفير البديل، ولا حصلوا على الوظائف الحكومية ليكسبوا عيشهم لتحريم رواتبها أيضا مضافا إلى هذا وغيره من الأمور. ومن البديهي أننا لا ننسى الظلم والجور والقهر والجوع والحرمان وغيرها من العوامل التي كانت السائدة في المجتمع الشيعي من المحتل التركي أو الفارسي أو الانكليزي مضافا إلى من هم من أبناء جلدتهم من زعماء ورؤساء.
عمرنا التافه حقا والذي أمضينا أكثر من نصفه مع حكم البعث بعد انقلابه الثاني وعاصرنا فترة انقلابه الأول، جعلنا نعرف البعث أكثر مما نعرف ( دار ، داران ، دور ) وغيرها من البديهيات ، إذ نحن عشنا تظاهرات البعث والشيوعي والديمقراطي في عام الفوضى العارمة عام 1959 من القرن الماضي ولا زالت أذاننا تصطك بهتاف ( والما يعزل عفلقي ) يقابله ( ماكو مهر بس هالشهر والقاضي نذبه بالنهر) وصورة كبيرة لجمال عبد الناصر موضوعة على وجه حمار يسوقه المرحوم ( محسن ) وهو يصيح (أي محسن وليس الحمار ) بشعار من أين جاء به لا ادري وهو يقول ( البلح في جيب والبترول في جيب ) وغيرها من معارك شوارع يسقط فيها احد الديمقراطيين – من جماعة الجاد رجي وليس ديمقراطية محمد حديد - وبعد معركة طاحنة بينهم وبين الشيوعيين ويرفض المضمد الشيوعي ليس إسعاف المجروح من الديمقراطيين بل انه أتصل بالشرطة الذين اخذوا يسحقون الجسد الحي للشاب ( وهو لا زال حيا وينزف دما ) وهم يرددون شعارهم الوطني طبعا ( أسئل الشرطة وماذا تريد وطن حر وشعب سعيد ) حتى مات الشاب تحت حوافرهم .
ومن اعقد المعادلات التي لا يمكن حلها هو أننا في عام ، 2007 ولم يتحرر الوطن لا بل إن الاحتلال الذي كان رمزيا أصبح موضوعيا، وأما سعادة الشعب فخير دليل عليها أن يتحول السادة من قيادة الحزب الشيوعي بأمينه العام من الفكر الشيوعي إلى الفكر الشيعي ومن دكتاتورية البروليتاريا إلى ديمقراطية نيابية دستورية كردية عربية شيعية سنية – ويا حيف الأقليات والديانات الأخرى ما موجود بديمقراطية قائدنا بوش { الورد هسه يوصلنا ويرد } !!!؟؟؟.
نعم هذه الأحداث وغيرها مما يحتاج إلى كتب وليس كتاب، حتى أزفت لحظة توقف فيها الزمن وانكفأت الشمس في مغيب طويل وراح القمر من سماءنا وفقدنا الألوان إلا الأحمر منها وصار الأب يتبرأ من ابنه والأخ من أخيه والولد من أبيه ، لا بل صار التقرير يكتبه الابن على الأب والزوجة على زوجها والأخ على ابن أمه وأبيه . فلا يتفاخرن علينا سوانا ممن كان يتنفس شهيقه بحرية وينفث زفيره بحرية ونحن حُرمنا حتى من زفرة نزفرها ولو في بيت الخلاء الذي عبدت أمرآة فرعون ربها به.
صار ملبسنا جميعا كالح بلون التراب إلا الرفاق فبدلاتهم تزهو ، ويومها قال احد الضباط الكبار لنا في مجلس ضمنا جميعا قال إن صدام لا يريد جنود لان ذلك يتطلب منه ملابس ومأكل ومصرف جيب وغيرها ، انه يعتمد على الرفيق الذي لا يطلب شيئا ( كان في وقتها هكذا وبعد ذلك أصبح موظفا براتب) وهو يكوي بدلته ويلمع حذائه ويديم سلاحه ويذهب إلى مقرات الحزب طائعا ويدفع أجور النقل من جيبه الخاص وهو يبادر لحماية الثورة والحزب والمكتسبات وهذا قولهم طبعا ويموت دفاعا ليسجلوه في سجل الشهداء حتى ولو كان يهاجم بيت جاره لكي يأخذه إلى آتون الحروب والمعارك ، وعندما يٌقتل هذا الجار في إحدى هذه المهالك ، نجد هذا الرفيق يتكرم بالوقوف في فاتحته مفتخرا ومتفاخرا بانجازات حزبه والتي إحداها فاتحة هذا الإنسان الذي لم تكن لديه وساطة تحميه ولا مال يقيه.
وصرنا جنودا في حرب الثماني سنوات، والحمد لله فلم نطلق أطلاقة واحدة باتجاه أي من الجيشين المتحاربين ، ولكن الجيش الشعبي يتابعنا في إجازاتنا ونراه وهو يستلب كل قيمه شريفة مما يحمله الإنسان بمعانيه الإنسانية وجميع أفراده هم جيراننا المباشرون وزملاؤنا في العمل وليس فيهم غريب لا يعرفنا ولا نعرفه!!!؟؟؟.
بعدها جيش النخوة وجيش القدس وخرجنا نرسم صورا لبوش الأب ثم ندوسها بأحذيتنا حتى نسقط ونزيح بوش من عرشه!!! كما كنا نفعل هذا عند دخولنا وخروجنا من الباب الرئيسية لفندق الرشيد في بغداد وبالطبع كان الرفيق أو قل الرفاق معنا، وإذا لم يكونوا معنا فعيون رفاقهم من أجهزة الرقابة والقمع التي تدربت في ألمانيا الشرقية وجنوب أفريقيا العنصرية وغيرها من الدول التقدمية حاضرة بأجهزتها وأدوات قمعها.
طبعا هذا السرد له علاقة مباشرة بالعنوان وبالمقدمة التي بدأنا بها ، لان برايمر وقانونه – من العجب العجاب انك لا تجد أحدا من المتحمسين جدا لاجتثاث البعث والبعثيين يقول بان القانون أمريكي برايمري بوشي ... الخ حتى الدكتور ألجلبي ورفاقه في هيئة الاجتثاث ــ لا بل إن اشد المتحمسين في بداية الاحتلال للاجتثاث وهو الأخ أبو إسراء المالكي – في وقتها – وألان الأستاذ نوري المالكي ، لم ينطق الحق والحقيقة عن أصل القانون سيء الصيت كما يعبر عنه السيد أياد جمال الدين والذي وقف أمام البرلمان يوما – عندما كان اسمه جمال قمر الدين ــ وهو يخطب خطبة الجمعة فيشير بان لا خلاص للعراق من محنته ( العراق وليس سماحة السيد ) التي هو فيها إلا بالقضاء على البعثيين والصداميين – ولكن بعدما رجع إلى اسمه الحقيقي مع قائمة الرفيق أياد علاوي ( احد أعمدة جهاز حنين المجاهد ) صار القانون سيء الصيت!!!.
وعلى كل حال فإن قانون برايمر هذا اجتث البعثيين والبعث اعتبارا من التاجي نزولا إلى البصرة ، وهذا أمر بديهي لأنه لا توجد سلطة ولا دولة في المناطق الأخرى منذ يوم الاحتلال وحتى الساعة، التي تلبسني الشيطان فكتبت هذه السطور، بحيث تتمكن هذه السلطة من اجتثاث البعث والبعثيين .
وبمناسبة ذكر هذا الشيطان فانه تلبسني يوما فكتبت ونشرت مقالا حمل عنوان – قلناها سابقا أياد علاوي قائدا – وذلك في بداية عام 2004 وقد أشرت إلى ما وسوس لي الشيطان فقلت أن المحتل العزيز والغيور علينا سيعيد الصدامية ولكن بدون صدام ولا ادري أننا عدنا أم سنعود؟؟؟!!!.
برايمر رجل مؤمن ولا يريد الأذى للآخرين مطلقا ولأنه لا يعرف معنى كلمة اجتثاث فقد وافق عليها وهنا اسأله أنا هل قانونه هذا وكل قوانين دولته وحتى كل الشرائع السماوية والوضعية يوجد فيها شعار أو قانون يقول { نفذ ثم ناقش }!!!.
أنا هنا أقف عند هذا الشعار فقط ولا يمكنني تحليله لأنني قاصر وعاجز ، ولكنني اطلب وأطالب من أئمة الجوامع وخطباء الصلوات ومن السياسيين بكل تعرجاتهم وتوجهاتهم والجهات الممولة لهم من كان منهم في عمان أو دبي أو أي مكان فضائيا أو ارضيا ، والعلماء والأساتذة والمثقفين وعلى رأس قوائم أسمائهم الأطباء النفسانيون وعلماء الاجتماع ، كل هؤلاء لابد أن يقولوا لنا نحن الحفاة العراة ( لا أنهش ولا أنش ) يقولوا لنا ما هي فلسفة هذا الشعار وماذا يعني وما هي امتداداته النفسية والاجتماعية والاقتصادية والاجتماعية وتأثيراته السلبية والايجابية الآنية والمستقبلية وعلاقاتها بما حصل وما سيحصل وبالضبط ما هي تأثيراته على وباء الطائفية مثلا وعلى شهادات الدكتوراه التي يتبجح بها ضباط مخابرات البعث الذين يتربعون على كراسي مجلس النوابين.
لابد لمن يطالب بإلغاء قانون اجتثاث البعث من أن يجيب الشعب عن مفهوم شعار الحزب هذا والإجابة أيضا على التساؤلات التي أثرناها وغيرها مما يجول في خواطرنا نحن الذين عشنا وعاصرنا فكر البعث ونظام البعث وديمقراطية البعث وقومية البعث والقائمة تطول جدا من شعارات فارغة امتلأت بدماء العراقيين وجيرانهم ، حتى وصلنا إلى تسليمنا عبيدا أرقاء إلى أسياد البعث والبعثيين وأولياء نعمتهم من الانكلوسكسون في ربيع 2003. حيث بدأنا نكتب صفحة أخرى من صفحات أم المعارك التي لم تنتهي بعدُ حسب أدبيات وعقيدة البعث العفلقي الصدامي إذ لابد لأي عراقي من قصة كما قالها يوما قائد الحزب صدام.
وبالرغم من كل هذا وذاك فلابد من تثبيت حقيقة الفكر والعقيدة البعثية والانتماء البعثي ، بعد الإجابة والدراسة البحثية النفسية والاجتماعية عن هذا الفكر وتأثيراته الآنية والمستقبلية وخصوصا هذا الشعار القهار والذي يمكن تبسيط تعريفه بأنه يجعل البعثي معصوب العين مسلوب الرأي والإرادة، أو كما وصفه القران {..... يحمل أسفارا } ويا ليتهم حملوا أسفارا، فهو يُنفذ كل ما مطلوب منه، وذلك ما سار عليه الرفاق واتخذوه منهجا وسيرة لهم . وبعدها يُفسح المجال للمناقشة ، وقد شهدنا من تجارب البعث علينا كيف أن النقاش يجري بصيغة ( النقد والنقد الذاتي ) كما يدعي البعثيون، فإذا ما حصل هذا النقاش فسيكون قرار القيادة رحيما بتحويل المُعترض المُناقش إلى ( شهيد غضب )!!!.
لقد تلبسني الشيطان مرة ثالثة وفي عام 2004 فكتبت عن المصالحة والتعامل مع البعثيين وبصورة تفصيلية ، حيث اقترحت وأعيد ذلك هنا بصياغة جديدة:
{ أن يُصدر أولي الأمر والذين جاءوا بقانونهم الخبيث ( قانون الاجتثاث ) يصدروا تعديلا له أو تذييلا يقرروا فيه بأنه : يجب على كل من يدعّي على بعثيين من المنتمين إلى حزب البعث، مهما كانت درجته الحزبية، فإن عليه إبراز أدلة مقبولة وفقا للقانون العراقي السائد زمن حكمهم وان يتم ذلك خلال فترة 90 تسعون يوما ويجري تقديم الأدلة إلى رئاسات محاكم الاستئناف المنتشرة في العراق ، وفي حالة عدم تقديم أي دعوى قانونية أصولية على أي شخص مشمول بهذا القانون خلال هذه الفترة ، يوجب القانون رفع المتابعة لهذا المنتمي ويوجب نفس القانون رد الاعتبار إليه والسماح له بالعودة إلى ممارسة حياته المدنية عدا الممارسة السياسية ، إذ يجب أن يتضمن القانون المقترح هذا براءته من فكر وعقيدة حزب البعث }.
وأما من يجد في فكر الحزب وعقيدته طريقا لخدمة الجماهير كما يدعي فيجب على القانون المقترح أن يتضمن نصا قانونيا يُلزم هذا وغيره بتقديم هذه العقيدة ونظامها وشروطها وممارساتها إلى الجهة التي ستدرس ذات الأمور والعائدة للأحزاب الأخرى ، وذلك بعد أن يتم إصدار قانون الأحزاب من قبل أولي الأمر – فأفهم - ووفقا لمصلحة الشعب والجماهير!!!.
هو مقترح وكلام سيذهب أدراج الرياح كما ذهب غيره والسبب واضح وجليٌّ ، لأنه جاء من عراقي وليس من صاحب السيادة برايمر وأعوانه !!! أليس كذلك كما يقول( حسن معوض ) في برنامجه – نقطة نظام – والتي لم يتعلمها أعضاء مجلس ( البِّرْ للمان ) حتى ألان .
والله من وراء القصد...

ليست هناك تعليقات: