الأحد، 6 يوليو 2008

في عراقنا اليوم ...13 - مشكلة الصناعة

في: عراقنا اليوم ... 13
- مشكلة الصناعة -
محمد سعيد الخطيب أل يحيى

هو سؤال حقيقي نضعه أمام وزارة الصناعة ومعها الخبراء الاقتصاديين بأمل أن يجدوا له جوابا قبل أن يُنفذّوا مخطط الخصخصة ويرموا مئات ألاف من العمال والفنيين والمهندسين إلى بحر البطالة المتلاطم في العراق ويقول السؤال:
هل هناك مشكلة في الصناعة العراقية ، أم أن الصناعة العراقية بحد ذاتها وفي وضعها الحالي تعتبر مشكلة؟.
من الواجب الإنساني أولا والعلمي ثانيا والعملي ثالثا إجابة هذا السؤال البسيط - من قبل أن ترد وجوه على أدبارها- كما يقول النص الكريم وقبل أن تطلع علينا الدراسات وتتبارى الأجساد الغليظة من ( الكشخات ) وتتفنن عصابات السرقة والتزوير وحماتها على جميع المستويات بسفسطة الحلول الناجحة والناجعة .
يصف المهندس ( طاهر توفيق العاني وعندما كان وزيرا للصناعة في حكم صدام البائد ) منتسبي ديوان وزارته ووزارته كلها بأنها مجاميع من الأميين ، لذا فلست متجنيا عندما أتكلم ولأنني واحد من ضحايا هؤلاء وأولئك وعشت فيهم ومعهم وبينهم واعرف الأسماء والصفقات والأرقام والأموال ، وبوثائقهم طبعا – لكنني لن أبوح بأي شيء فيه خدش لحياء احد بالرغم من أن أغلبيتهم لا يملكون الحياء ولن أبوح بأسرار الوزارة ولا وزارة المالية ولا ديوان الرقابة المالية مطلقا لأنني لست بهذا الصدد لا ألان ولا بعده فقد تركت كل هؤلاء ومن ساعدهم وأعانهم ورضي بعملهم وسمع به ورضي به إلى الله سبحانه وتعالى وكلهم يعرف ما حصل للرفاق ولمجموعة الأمن ومجموعة الحزب المسئولين معهم عما أتحدث عنه وذلك بعد احتلال البلاد ولهم في الآخرة عذاب الحريق إنشاء الله – على أن معلوماتي تتسع أفقيا وعموديا زمنيا ومكانيا وبعض أولئك يعلم علم اليقين ما اقصده!!؟؟.
تاريخيا توجد أثار للصناعة على ارض بلاد الرافدين منذ البابليين والأشوريين والاكدييين والسومريين ومع كل حضارة نبتت ونمت وانتشرت ثم ذهبت على هذه الأرض المعطاء ، وأما في العصر الحديث القريب فقد بدأت الصناعة في العراق مبكرا وعلى يد القطاع الخاص مثل المرحوم محمد حديد والمرحوم فتاح باشا والمرحومين عبد الهادي وعبد الحسين الجلبي وغيرهم خلال حقبة حكم الهاشميين للعراق وحيث كان النظام الاقتصادي يعتمد الأفكار الرأسمالية أو السوق الحر منهاجا وسلوكا وتطبيقا .
بعد انقلاب 1958 وصدور القرارات بإلغاء مجلس الأعمار والذي كان يتفاوض عالميا للبدء بثورة صناعية جبارة وقد جاء يوم 14 تموز 1958 ورئيس مجلس الأعمار يتفاوض مع شركة (( فورد )) الأمريكية بهدف بناء مصنع للسيارات في العراق مثلا ، وأدت هذه المفاوضات إلى بقاء المرحوم رئيس المجلس خارج العراق حتى وفاته والسماح بإعادة جثمانه ودفنه في مقبرة دار السلام في مقبرة متميزة لان ولده البكر كان من الشخصيات العلمية والفنية المهمة جدا في نظام صدام البائد!!؟؟ وما نراه شاخصا من معالم حضارية الآن إلا نتاج الدراسات التي أعدها ذلك المجلس مثل مدينة الطب والجسور في بغداد ومصانع الألبان والمزارع المتخصصة والقائمة طويلة.
ولهذا فقد قام المرحوم عبد الكريم قاسم بتوقيع معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفيتي في العام 1959 وبموجبها تم وضع اللبنات الأساسية لثورة صناعية كبرى في العراق بعدما تم التعاقد على مصانع للسيارات وأخرى للأدوية وثالثة للنسيج ورابعة للزجاج ... وهلم جرا ولكن الرؤية الاقتصادية والمنهاج والنظام استدار من الرأسمالية إلى الاشتراكية الغير ممنهجة بسبب تداعيات الانقلاب والاختلافات الأنانية التي ميزت القائمين فيه أدت إلى التصارع والتقاتل على السلطة – وقد اشرنا في مقال سابق إلى طبيعة العمل السياسي في العراق والذي يتجه نحو استلام الحكم بشتى الوسائل كما أن السياسي العراقي لا يقبل بالرأي الأخر فأما أنا أو إزاحة الأخر من مسرح الحياة؟! أليس كذلك؟.
هذا التوجه للدولة بإنشاء مصانع ضخمة وثقيلة كان لها هدف أساسي ومهم جدا بجانب كل الأهداف الأخرى والتي لا تقل أهمية عنه ، ولكن هذا الهدف كان يُمثل العقلية والتوجه الذي سار عليه الزعيم عبد الكريم قاسم بنظرته الإنسانية الصافية والمخلصة للإنسان والمواطن وتحقيق ما يتمكن منه لتوفير لقمة العيش والسكن للفرد والعائلة العراقية ، وهذا ما لا يحتاج إلى الدليل لان أحياء الإسكان في عدد من المدن ومدينة الصدر حاليا ( الثورة حسب تسمية المرحوم قاسم سابقا) مع خريطة مصانع ومنشآت في الشمال والوسط والغرب والشرق والجنوب بدون تمييز إطلاقا على الرغم من أن الطائفيين حقدوا ولا زالوا بل قتلوا عبد الكريم قاسم ( السني المذهب ) وذلك لكون أمه شيعية ، واجد عددا من هؤلاء الطائفيين القذرين يتناول خاله بالغمز واللمز مع انه من أوائل الضباط الذين أرادوا إحداث التغيير الجذري الانقلابي في المنطقة كلها؟؟!! لأنه قدم تلك الخدمات للطبقات الفقيرة والمعدمة وهي شيعية دائما حتى يومنا الراهن ؟!.
ليس ديوان الوزارة ودواوين المديريات العامة والمنشآت والدوائر الأخرى التابعة إلى الوزارة تشكو من بطالة مقنعة لا تجد مكانا للبعض أن يجلس ، ولهذا يكثر التصارع والتنازع بين البعض والأخر لأزاحته بشتى الوسائل والجلوس مكانه في منصبه وموقعه ، ولقد جاء التضخم البشري هذا نتيجة أن الهدف كان أساسا فتح وتوفير فرصة عمل تستطيع العائلة الفقيرة والمعدمة والعيش الكريم ، مضافا إلى أن الخطوط الإنتاجية التي تم استيرادها في حينه مما يتطلب أيدي عاملة أكثر، وقد يكون للذين تعاقدوا على الشراء الأثر الكبير والمباشر في ذلك – واغلب الشواهد تؤيد هذا مثل مصانع الورق في البصرة والعمارة ودور احد وزراء صدام للصناعة فيه؟! – ولم يك العامل الاجتماعي غائبا عن هذا الداء الخطير جدا بحيث دخل المعادلة بسبب المحسوبية والمنسوبية وفساد الذمم والسرقات (( يقول احد الصناعيين المتوفين رحمه الله بأنه وعندما مديرا عاما واشرف على تشغيل وإنتاج احد المصانع اتصلوا بي إلى المكتب بإكمال إنتاج دزينة كاملة من المنتج ولما هرعت مسرعا إلى قاعة الإنتاج وجدت عدد القطع في الدزينة عشرة فقط مما سبب إحراجا عظيما للمسئولين في القاعة الإنتاجية)).
ونحن نتحدث منذ بداية الشهر الأخير من العام المنقضي فلأننا نحاول ولما الأحداث طازجة وساخنة واغلب الفاعلين فيها أحياء يرزقون ، ولان الاحتلال وفوضاه الخلاقة فسح مجالا إعلاميا واسعا للحديث والكتابة وهي لست حسنة من حسناته بقدر ما هي ضمن فوضاه التي جاء بها ، وغيرها من الأسباب جعلتنا نجد من الواجب المحاولة الجادة لتوثيق – الأحوال بعد خمسة سنوات احتلال – مع محاولة متواضعة منا في إبداء الرأي عندما نجد حاجة لذلك أمام الله سبحانه وأمام الشعب وأمام المتصدين للمسؤولية والاهم في سجل التاريخ !.
بناء على سيكولوجية صدام ونظامه الأمنية والمحافظة على النظام قبل كل شيء ، فقد جرى زج أعداد كبيرة في الوزارة وملحقاتها ودوائرها وجعلوها مستودعا للرجال ، خصوصا في معركته مع إيران بحيث يستطيع الرفاق إدخال سيارات النقل إلى داخل المصانع وسحب الناس الأبرياء من أماكن عملهم ومكائنهم وإرسالهم إلى آتون المعارك والمجازر ضمن قواطع (( الجيش اللاشعبي سيء الصيت )) وكذا في – أم المهالك - .
كان يجب على الإدارات الميدانية في الصناعة أن تسارع إلى سد النقص في اليد العاملة العراقية ، وهذا ما سارعت أليه قيادة صدام قبلها باستيراد عمال من مصر والصين وبنغلاديش ومصر وغيرها من دول العالم ضمن قروض ماليه – أي إن هؤلاء المستوردون أصبحوا مرتزقة لأنهم بدلاء عن أولئك الذين أرسلوا لقتلهم من قبل الرفاق – وقد جرى تعيين العراقيين الذين لا يمكنهم القتال بقرارات طبية أو لكبر سنهم القانوني وهؤلاء أيضا صاروا جزء من البطالة المقنعة.
ضعف ورداءة التدريب وفي كثير من الصناعات انعدامه – المقصود الدورات التدريبية في الداخل – ومن الأسباب الأخرى التي أدت أيضا زيادة البطالة المقنعة هو استيراد خطوط إنتاجية يدوية العمل حتى وصل الأمر إلى إلغاء كل ما هو أوتوماتيكي عند الشراء من قبل خبراء الفنادق و...!؟ مما أسميناه وقتها (( الاعتماد على تكنولوجيا المسحاة )) بعد استقدام فلاحين للوقوف على مكائن إنتاجية معقدة في بعض الأحيان ، وبالرغم من تدمير بعض الخطوط واندثارها بسبب هؤلاء الغير فنيين، وقد تجسدت هذه المشكلة بعد استيراد المصريين الذين ( تعلموا الحجامة بروس اليتامى ) كما قالها مثلنا الشعبي وغيرهم من الجنسيات أيضا ، وأما حالة التدريب والتأهيل خارج العراق فقد أصبح في زمن الرفاق مأساة هَرَبَ كثير من الناس مِنْ درج أسمائهم لأنهم لن يذهبوا بالإيفاد بسبب التعليمات الأمنية – إذ لا يمكن لمن لا ينتمي للحزب أن يتم إيفاده إلى خارج البلد ويضاف إلى ذلك أن هذه التعليمات تنص وتؤكد على وجود احد منتسبي جهاز المخابرات ضمن المجموعة الموفدة ويجب على الموفد أن يقدم تقارير أمنية وخصوصا على العراقيين الموجودين في ذلك البلد واحمد الله أنني لم أوافق على شروط البعثيين ولهذا لم يتم أيفادي خارج العراق إلا ( لمدة أسبوع إلى الكويت في عام 1980 بدعوة من شركة مختصة في تدريب الكوادر الوسطى ) – لذا فقد كان الإيفاد للتدريب والتأهيل خارج العراق محصورا – بالحبايب – ومن تنطبق عليهم المواصفات المطلوبة من قبل الحزب وأجهزته القمعية، ولهذا الأثر المباشر على الإنتاج والمكائن والنوعية وكلفة المنتوج وغيرها من الأمور.
من البديهي أن مثل هذه المقالة لا يمكنها أن تستوعب الرأي والشرح في مشكلة الصناعة العراقية وخاصة في القطاع العام – القطاع الحكومي – لان ذلك يستوعب مؤلفات عديدة ، ولكنني أرى انه من الواجب الحتمي إجراء هذه الدراسات وتقديم هذه المؤلفات قبل أي قرار كما أسلفنا أعلاه.
لكن ... ما نريد تبيينه هنا – لأننا جزء من الحالة – هو أن الصناعة العراقية وبالرغم من أنها واحدة من الوسائط والسبل التي يجب تنميتها من اجل تطوير الاقتصاد العراقي وإخراجه من أزماته الحالية – فليس تكبير أرقام الميزانية ولا رصد مبالغ كبيرة تُبقي عيون وأذان الناس قبل النزاهة تتحدث وتدور حولها ، إذ لا بد من تنويع مبتنيات الاقتصاد العراقي وخصوصا في الجانب الزراعي وبعدها الصناعي لتوفير المستلزمات الضرورية لها – ولكن هذا المجال الحيوي يمر ألان في اشد حالات الانحطاط الفني والإداري والإنتاجي طبعا .
وما دعانا للكتابة بهذه الشدة والحدة هو إنني شاهدت بعيني السيد وزير الصناعة الحالي – فرانسوا حريري هكذا قرأنا اسمه من على قناة ( الحرة عراق ) وهي صاحبة الدار ويقال ( صاحب الدار أدرى بالذي فيها ) – وفي جلسة مجلس الوزراء التي تمت فيها مصادقة جدول جديد للرواتب والأجور ، شاهدته يتكلم بشدة وحدة أيضا مع دولة السيد رئيس الوزراء ، ومما لاشك فيه أن معالي الوزير يعاني من الصناعة بسبب ما يعانيه العاملون فيها من الظلم والحيف الشديدين الواقعين عليهم وما من مغيث.
إن الاتجاه نحو خصخصة الصناعة ومصانعها في الوقت الراهن من قَبْلِ إيجاد الحل الناجع لمسألة البطالة المقنعة والتي تفاقمت بعد إعادة المفصولين السياسيين وعدم إطلاق تنفيذ قانون التقاعد – بشكله الإنساني والذي يرضى عنه الله والضمير – فإن القيام بالخصخصة هذه قبل حل مشكلة العاملين في الصناعة تعني الاستغناء عن أعداد هائلة – بكل معنى الكلمة – من مهندسين وفنيين وعمال ماهرين وغير ماهرين وإرسالهم إلى مجاهل البحث عن فرص عمل مع وجود البطالة الحالية ، فهو يعني تضخيم للازمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية ... الخ مما يعاني منها العراق – فيما عدا شماله ، عفوا كوردستان لان الأخوة الكورد يرفضون تسمية الإقليم بشمال العراق وإنما هو ( إقليم كوردستان ) – أليس كذلك يا ( أوردغان ) ...؟!.
قد لا يدري معالي السيد رئيس الوزراء ولا معالي السيد وزير المالية وحتى فخامة السيد نائب رئيس الوزراء الدكتور الهاشمي ولا حتى فخامة رئيس جمهورية مام جلال وحتى معالي السيد وزير الصناعة ، كلهم وغيرهم من قادتنا وسادتنا وساستنا حاليا ، لا يعلمون أن الغالبية العظمى من – الغلابة – من العاملين في وزارة الصناعة (( طبعا فيما عدا أصحاب الدرجات الخاصة في تلمود العراق الجديد )) كلهم يتقاضون رواتب بثلاثة درجات هي 100000 مائة ألف دينار عراقي و 200000 ومائتا ألف دينار عراقي و 300000 وثلاث مائة ألف دينار عراقي ويقال – والعهدة على الراوي – بأنها تدفع من قبل معالي السيد وزير المالية؟!.
أتدرون أن هذه المبالغ يستقطع منها ضريبة الدخل بحيث لا يتقاضى أي منهم المبلغ المخصص له – طبعا أنا منهم وأتقاضى فقط 287000 مائتان وثمانية وسبعون ألف دينار– فهل تساءل هذا الجمع وقبل أداء أية فريضة – قربة لله – وكلهم مؤمنون بحمد الله ؛ كيف يعيش فرد إذا لم تكن عائلة بمثل هذا المبلغ ؟!.
لماذا نبحث ونتساءل ونصرخ من الفساد الإداري !!! وإلا كيف انتشر في زمن صدام البائد لولا هذه الفوارق بين راتب – صديق الريس – ومن – يحمل شارة الحزب – وبين من يكدح في حلال وحرام لكي يوصل اللقمة لأفواه الجياع من عيال الله سبحانه وهم عياله؟!.
والله من وراء القصد ....


ليست هناك تعليقات: