الاثنين، 7 يوليو 2008

جسر شيخ سعد

جسر شيخ سعد
محمد سعيد الخطيب

ونحن نتجاذب أطراف الحديث حول ما نحن فيه ( في العراق ) وما وصل أليه غيرنا أينما كانوا ؛ جيران أو أمم أو ممالك بعيدة وغيرها ، حيث المُقارِنون هنا من أهل البلد المخلصين أصيبوا بالغثيان وضيق في الصدر وجميع الأعراض البايلولوجية التي تأتي نتيجة الأزمات النفسية الخانقة.
وكان لأحدنا رأي سديد ورشيد – وهذا من العجب بقاء مثل هذا لحد الآن في العراق – فقد عزى سبب الانحراف الخطير في مقارنتنا مع الآخرين إلى أن أولئك ركبوا مراكب العلم والمعرفة بجميع نواحيها ، في الوقت الذي اقتصرنا وقتنا على الهذيان والمناقشات والمجادلات في أمور ومواضيع لا تسمن ولا تغني من جوع ، وقد يكبر هذا النقاش إلى صراع يصل أحيانا إلى إزهاق النفوس ؟!، وقد يستمر إلى سنين عديدة مثل حرب البسوس أو حروب صدام.
ومما يروى عن النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم ابنه مَرّ على مجموعة من المسلمين وهم جلوس في المسجد يتحادثون في انساب العرب وقبائلها، فوقف الرسول (ص) عليهم وقال لهم – ما معناه – أنهم لو تدارسوا في علم نافع غير هذا لكان خيرا لهم ولغيرهم!!.
ونضيف ... أن الله جلت عظمته قد أكد مبينا على العلم وسعته ، وان كل ما في هذا الوجود مرهون ومقترن بكل تفاصيل وجوده بالعلم والمقصود طبعا علمه تعالى شأنه ، والذي وسع كل شيء؛ فتقول الآية رقم 98 من سورة طه { إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً }.
ومن هنا توجب شرعا – طبعا حيث لا وجود إلا للشرع فقط – أن يكون ولّي أي أمر من أمور الناس العامة والخاصة من هو أعلمهم قبل أي صفة أخرى ، لان العلم النافع سيقود المرء نحو طريق الاستقامة والاعتدال في سيرته وتصرفاته وجميع اختصاصاته وغيرها ، وهذا الوجوب الشرعي ، والذي تؤكده النصوص القرآنية الكريمة مثل الآية رقم 11 من سورة المجادلة { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } وكذالك الآية رقم 28 من سورة فاطر { وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } والقصد هو العلماء جميعا بأي علم ومعرفة والذين يخشون الله نتيجة نهائية لعلمهم إذ ما عداه فهو جهل مركب.
وهذا الوجوب الإلهي جعل البشرية بهديه عز وجل تمضي بنفس الأسلوب الرباني وان كانت بعيدة عن تطبيق أديانه التي انزلها ورسله الذين بعثهم من اجل تحقيق السعادة التامة للبشرية جميعا أنى ومتى كانتّ.
نعود إلى جسر شيخ سعد والذي تم افتتاحه قبل أيام بصورة متميزة جدا ، وقد وجدت وجوبا تصويب بعضٍ مما قيل في الجسر وحوله وتثبيت حقيقته من اجل الموعظة الحسنة والسبيل الاقوم ؟!.
هذا الجسر لا يربط أية محافظة بأخرى مطلقا ، وإنما يربط ضفتي نهر دجلة في ناحية (( شيخ سعد )) والتي تمتلك جسرا عائما قديما منهارا في كثير من مقاطعه ومنذ ما لا يقل عن ( 20 ) عشرين عاما خلت، ولكن الأهم هو أن هذا الجسر يربط بين طريق (( كوت – ناصرية )) وطريق (( كوت – عمارة )) !! وقد كان هذا الجسر وكذا الطريق الرابط بين الطريقين أعلاه من ضمن مشاريع نظام صدام البائد العسكرية والأمنية!!؟؟.
أمنيا امتازت منطقة – ناحية الدجيلة – في محافظة الكوت واهوارها وأحراشها بأنها منطقة قتل للرفاق البعثيين وأجهزة النظام البائد القمعية طيلة فترة حكم النظام ، وهذا ما كان يستدعي النظام إلى تجهيز الحملات تلو الأخرى لمهاجمة المنطقة ، حيث تتكبد هذه القطعان المتوحشة الخسائر ، وحينذاك تقوم بواجبها الإنساني اتجاه الخرائب العائدة للسكان وكذا الشيوخ والأطفال والنساء بين تهديم وقتل وجلب إلى دهاليز الأمن والحزب والمخابرات من اجل مساومة أولئك المقاومين الشرفاء بين تسليم أنفسهم للحزب وأجهزة النظام أو أن هذا الحزب وهذه الأجهزة ستقوم بتطبيق نظريتها القومية الإنسانية ورسالتها الخالدة بما لا يمكننا ذكره ترفعا للموقع وللقراء الكرام، وهذه من الحوادث التي يشهد عليها أهالي المنطقة ومن جاورها بالإضافة لحزب الكوت والعمارة والناصرية والأجهزة القمعية في هذه المحافظات ممن شاركوا في تحرير الأمة العربية وتحقيق أهداف حزب البعث وأيدلوجيته الماسونية؟!.
عسكريا يعتبر في غاية الأهمية للإستراتيجية العسكرية لحزب البعث وأنصاره وأعوانه ومحبيه ومناصريه ومؤيديه أينما كانوا ومتى ما عاشوا ، ألا وهي التهيؤ دائما والتحفز التام للحرب مع إيران الشاهنشاهية وإيران الإسلامية، تنفيذا للفكر الطائفي القذر والقومي الشوفيني، ولست مغاليا هنا فقد كان (( تمرين حوران )) الذي قامت به القوات العراقية في عام 1977 ،بعد لعبة مكوكية من الزيارات والتصريحات التي قام بها – عبد السلام جلود – الذي كان وقتها رئيسا لوزراء جماهيرية القذافي العظمى والكبرى والجبارة والأسطورة بين دمشق وبغداد وذلك للأعداد والاتفاق على تحرير أراضينا العربية المغتصبة !!؟؟ في فلسطين ، وبناء على الاتفاق فقد جرى إرسال القطعات العراقية إلى الحدود السورية والأردنية وجزء من الحدود السعودية بهدف دخولها وانقضاضها على – الكيان اللقيط ، كما هو اسمه في الأدبيات القومية – وتحرير الأرض وإعادة الشعب الفلسطيني إلى بلده ؛ طبعا كان هذا قبل أن يبيع الحكام العرب فلسطين مقابل بقائهم على كراسي حكمهم ودعمهم المستمر من قبل إسرائيل وأعوانها في العالم!!! وقبل إسقاط مشروع البعث بتوطين الفلسطينيين في مناطق عراقية ومنها - ناحية زرباطية – الحدودية مع إيران؟؟!!.
وبشكل دراماتيكي تحول التوجه من تحرير فلسطين إلى – تمرين عسكري تمت تسميته بتمرين حوران نسبة إلى وادي حوران والذي يبدأ من السعودية ويتصل ببادية الموصل – وقد اشتركت كل القوات بهذا التمرين وتم إيجازه عسكريا للقوات المشاركة فيه ؛ بأنه عمليات حربية حقيقية للرد على هجوم يقوم به العدو الشرقي – المقصود إيران – على العراق ويعاونها في ذلك العدو الغربي – والمقصود به سوريا – وبعد انتهاء هذا التمرين جرى تهيئة كل الظروف والمستلزمات لشن حرب على إيران مثل مسح وإنشاء الطريق الحدودي من أقصى نقطة في شمال العراق والى أقصى نقطة برية في جنوب العراق بالتوازي مع الحدود الدولية للعراق وإيران، ومسح وإكمال طريق (( شوملي – نعمانية )) وتنفيذ جسر النعمانية – حيث تحركت جميع القوات التي هاجمت إيران في أيلول وتشرين الأول وتشرين الثاني 1980 من منطقة الفرات الأوسط إلى الحدود الإيرانية سالكة هذا الطريق وعبور هذا الجسر – وكما استفادت القوات الأمريكية من هذا الطريق والجسر لإكمال تطويق بغداد من الجنوب الشرقي واحتلالها وبالصدفة المحضة قطعا؟!.
واستمرت هذه التحضيرات على جميع الأصعدة والمستويات في العراق وبضمنها تمارين الدفاع المدني والتدريب على الغارات الجوية والإسعافات الأولية ، ومن أهم هذه الاستحضارات كان تأمين الطرق الإستراتيجية وذات الأهمية القصوى للسيطرة على منطقة (( جنوب الكوت امتدادا إلى البصرة )) فكانت حملة سماها البعثيون – حملة القصب – والتي ساقوا بها الناس إلى الاهوار لحصاد القصب والبردي في الاهوار ، ثم تلتها عمليات فتح الطرق التي تخترق الاهوار وتصل بين طريق (( ناصرية – كوت )) باتجاه (( العمارة )) مثل ( طريق سيد احمد الرفاعي ) و (طريق الفجر- البتيرة ) وأخيرا طريق ( الموفقية – ناحية شيخ سعد ) مع ربطها جميعا بطرق توصلها بالديوانية خصوصا!!؟ ثم كانت حملة تجفيف الاهوار وتحويل مجرى نهر الفرات!!.
تم تنفيذ طريق (( الموفقية – شيخ سعد )) في نهاية التسعينات من القرن المنصرم وقد نفذته وزارة الإسكان العائدة للنظام البائد ولكن الفكرة والتوجيه والأشراف الميداني والإلحاح على سرعة الانجاز فقد قامت بها وزارة الدفاع عن صدام ونظامه الطائفي العنصري.
وما يثير العجب والدهشة والاستغراب هو أن تنفيذ الجسر هذا كان من أولويات واشد واهتمامات الجيش الأمريكي المحتل؛ وقد أعلنت عنه قيادة فيلقه الهندسي ونفذته شركات عراقية ولكن بأشراف واهتمام منقطع النظير من قبل المحتلين اللئام!!!.
يبقى السؤال التالي وعلى غاية من الأهمية ، لماذا كتبت هنا حول هذا الموضوع ؟. ونجيب بالاتي :-
أولا- أريد تنبيه السادة من معارضي نظام صدام في خارج الوطن سابقا وحكام البلد حاليا إلى أنهم وبسبب ابتعادهم عن الواقع الموضوعي التفصيلي الدقيق جدا لأمور البلد ، ولان النظام امتلك (( 11)) احد عشر جهازا امنيا قمعيا عدا عن منتسبي حزبه ووكلاء أجهزته ومرضى القلوب، والتي كانت تُحصي علينا عدد مرات الشهيق والزفير ؛ ومن كل هذا فإنهم – هؤلاء المعارضون في الخارج – يفتقرون إلى كثير من المعلومات الدقيقة والتفصيلية لفترة الحكم للنظام البائد.
ثانيا- لقد قام النظام بتجميع ما تمكن من وثائق حزبه وجيشه وأجهزته ودوائره وغيرها في أماكن محددة ومعينة ، إلا أن أزلامه قاموا بإحراق قسم منها أو حمل ما تمكنوا وذلك بعد وأثناء عمليات الاحتلال المجرم لكي يتخلصوا من وثائق إدانتهم عن جرائمهم بحق الشعب ، في حين قامت بعض جهات المعارضة الخارجية بالاستيلاء على قسم أخر من الوثائق ، وبقي قسم تعامل معه أصحاب – الحواسم – بيعا لمن يريد الشراء لأي غرض كان.
ثالثا- وهو الأهم – برأيي طبعا – عزوف السادة من معارضي الخارج وحكام اليوم عن التعاون مع شركائهم في المحنة والنضال في المعارضة الداخلية ، وهي تعلم وتعرف الكثير جدا من مخططات ومشاريع وأهداف نظام البعث الصدامي الإجرامية كلها؛ سواء بحق الشعب أو الجيران وحتى الدول البعيدة .
ومن البديهي أن لهذا العزوف سببين هامين هما:-
1- عدم ثقة المحتل اللئيم بهؤلاء المناضلين لأنه يعرف جيدا حقدهم وحنقهم عليه وعلى مشاريعه الإجرامية؛ بدءاً من تمكين البعثيين بحكم البلاد وصولا إلى احتلال العراق رسميا من قبل قطعانهم .
2- والسبب الثاني يعود لمن جاءوا بعد الاحتلال وتخوفهم من إقصائهم من فرص التمتع بالحكم إذا ما حصلت المعارضة الوطنية الداخلية للنظام البائد على فرصة مماثلة.
يقول احد رموز المعارضة الخارجية وهو من أصول غير عراقية – ياللاسف الشديد – بما يعني (( أن من بقي حيا من العراقيين طيلة حكم صدام ونظامه فلابد وانه متواطئ مع النظام!!!؟؟؟.
وأخيرا فلابد من التحذير لا بل الإنذار الشديد من مخططات أعادة إشعال الحرب مع إيران ؛ وكما نسمع ونشاهد من أثارات جديدة لتعديل معاهدة 1975 والتي ألغاها صدام وعلى رؤوس الأشهاد أو بسبب الاختلاف على قسمة شط العرب وفي الآونة الأخيرة ما يسمى شفط نفطنا من أبار الطيب في العمارة !!!؟.
فمثل هذه الحرب القذرة ستكون مدفوعة الثمن سلفا من الشيخ والأمير والملك والرئيس ؛ أنى كان من جهات الأرض، وكسابقتها (( قادسية صدام القذرة )) ، بل يجب أن يذهب إلى مزابل التاريخ الإنساني مشروع صدام الذي يقول عنه (( العراقي مشروع استشهاد دائم )) ولن يبقى العراقيين حراسا للبوابة الشرقية للأمة العربية مطلقا.
لابد أن يعيش العراقيون أمنون متفاهمون ومتحابون ومتحاورون مع الآخرين جميعا ، فليس إثارة مشكلة صغيرة أو كبيرة هو مشكلة أبدا، وإنما الكارثة في الدماء التي ستنهمر وتسيل تنفيذا لمشاريع ومأرب الغير من الحاقدين والأنانيين!.
والله من وراء القصد ...

ليست هناك تعليقات: