الخميس، 10 يوليو 2008

ثورة العشرين - بحث في هويتها

ثورة العشرين
بحث في هويتها
محمد سعيد أل يحيى الخطيب

الباحث والقارئ لكل ما تمت كتابته عن ثورة 30 حزيران 1920 وبالرغم من كثرتهم وتباين مشاربهم واختلاف أرائهم إلا أن الخلاف بقي بين الجميع في تحديد الهوية الأصيلة للثورة وهل كانت دينية أم عشائرية أو دينية عشائرية أو غير ذلك من الهويات .
هذا الاختلاف وصل إلى شموله لمتناقضات ما انزل الله بها من سلطان فقد تجد كاتبا يدعي هوية شيوعية أو اشتراكية لهذه الثورة ويعزو ذلك إلى كونها تحرريه ولان ثوارها هم من الفلاحين وهم القسم الثاني من تحالف القوى العاملة مع العمال ( تحالف البروليتاريا ) وآخرون وجدوا فيها ثورة قومية حيث التمس هؤلاء روحا قومية فيها والبعض وجدها شعبية وبعضهم كان رأيه أنها ارستقراطية تمثل مصالح الطبقة الدينية ورؤساء العشائر وهلم جرا من الآراء التي حاول متبنيها ادعاء الوصل بليلي ولم لا وهي ثورة بحق ونضال شريف يتمنى كل شريف أن لو حصل له شرف المشاركة الفعلية وحتى من ينتمي إلى المشاركين فيها.
من هنا أحاول بتوفيق الله الوصول إلى الهوية التي تحملها ثورة العشرين المباركة بعدما نحاول سبر أغوار الحالة الاجتماعية والسياسية في منطقة الثورة وماهية الوعي السائد عند جياع الناس الذين هم وقود الثورات دائما ولم ولن ينالوا منها إلا ما وصفهم أمير أمراء الشعر العربي المرحوم ألجواهري في واحدة من قصائده العصماء (جياع الشعب ).
لابد للباحث والمتلقي كما لعامة الناس بمختلف مستوياتهم العمرية والثقافية والدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والعشائرية ويسبقها القومية وهلم جرا ، لابد لأي منهم أن يعلم ويعرف ويعترف بأن ولادة كيان جيوسياسي يحمل اسم ( العراق ) قد أولدته أيادي الوزيرين البريطاني والفرنسي الذين وضعا اتفاقية سايكس بيكو بعد انسحاب روسيا القيصرية نتيجة الثورة البلشفية واستغراق قيادتها بالداخل الروسي إذ لولا ذلك لوجدنا لهم حصة في المنطقة والتي تمت تسميتها ( الشرق الأوسط ) فهو أوسط جغرافيا بالنسبة لهم كما هو شرق أدنى وشرق أقصى وغيرها من المصطلحات السياسية وغير السياسية التي نتبجح باستخدامها في أقوالنا وكتاباتنا من دون معرفة الحقائق المحيطة بها.
إن التأكيد على حقيقة العراق الجيوسياسية هذه تعتبر مهمة جدا لكل من يلج باحثا بكل متعلقات المنطقة ( إقليم الشرق الأوسط ) وليس العراق فحسب لان هذا يمثل بديهية بحثية فلابد للباحث من معرفة أصل الشيء المبحوث عنه أو فيه وولادته وطريقتها ونموه وهكذا ، ولا أجد نفسي قد حدت عن الأسس البحثية في كل العلوم المختلفة.
تتميز المنطقة الجغرافية التي تضم كل من { جزء من الصين الحالية و الهند وبنغلاديش والباكستان وأفغانستان وكل دول الاتحاد السوفيتي السابق الأسيوية ( أذربيجان وتركمانستان ... الخ ) وإيران وتركيا وسوريا والعراق ودول مجلس التعاون الخليجي واليمن ومصر ودول الاتحاد المغاربيه وكل بلد و مصر دخله الإسلام فنشأت فيها ممالك أو حكومات أسلامية وفي كل بقاع الدنيا بالإضافة إلى تلك التي وصلها الإسلام فنشأت فيها مجموعات إسلامية بأغلبية أو أقلية } تتميز بان الإسلام والممالك الإسلامية التي حكمتها مثل الأموية والعباسية والعثمانية والسلجوقية والبويهية والصفوية وغيرها قد جمعت الساكنين على أراضيها تحت راية هذه الحكومات التي استخدمت الدين الإسلامي من اجل تحكمها واستمرارها في التحكم بالعباد والبلاد فكانت تجيش الجيوش وترسل المقاتلين من شرق هذه المناطق إلى غربها وشمالها إلى جنوبها ومن وسطها إلى أطرافها وبعبارة أخرى من أي مكان والى أي مكان لإدامة الحروب والمعارك التي تخوضها الدولة المعنية مع رعاياها أو احد ولاتها وقوادها أو مع الدول المجاورة الأخرى لأي سبب كان ولكن عملية التجييش وسْوُقْ الناس يتم وفقا للسلطة الدينية التي حملها ملوك وأمراء هذه الدول بصفة خلافة رسول الله ( ص ) أو إمارة المؤمنين وما إلى غيرهما من العناوين الدينية المؤثرة بجياع الناس.
هذه الحركة البشرية التي يمكننا وصفها بدوامة إعصار يجري بحركة دورانية لتشمل جغرافيا كل المنطقة التي ذكرنا جزءا منها مع مناطق أخرى ، قد تسببت بانتقال أفراد وقد تكون مجموعات صغيرة من أماكن سكنها الأصلي لتسكن في منطقة جديدة بعيدة أو قريبة جغرافيا أو ديموغرافيا عن منطقته الأم .
ولا يحتاج التحليل أعلاه إلى دليل لان قسما من هؤلاء المقاتلين وصلوا إلى سدة الحكم وحكموا في المناطق التي استقروا فيها بعدما تركوا أوطانهم السابقة خلف ظهورهم أمثال المماليك والشركس والعرب في منطقة المغرب وغير هذه وذاك مما تحمله كتب التاريخ وتاريخ الدول والممالك وما هو موجود في مجتمعاتنا الحالية.
من البديهي أن استيطان هؤلاء أفرادا وجماعات صغيرة مع مجتمعات جديدة يقتضي مع مرور الزمن حصول تبادل اجتماعي بينهما وهو الأهم من غيره حيث سيؤدي التزاوج بين الوافدين من هؤلاء والمتوطنين سينتج أجيالا مختلفة فسيولوجيا نتيجة تطبيق قوانين ( مندل ) في الوراثة وهي مختلفة ايدولوجيا أيضا بسبب التلاقح بين أفكارهما وثقافتهما مضافا إلى إنتاج جيل يختلف اجتماعيا بمرور الزمن بسبب تطبيق القوانين الاجتماعية التي تنتج من تزاوج قوانين الوافدين والمقيمين وهكذا ومع مرور زمن أخر سيحصل تغيير واسع أو قليل معتمدا على الأعداد الوافدة وإمكانية المجتمعات المتوطنة لاستيعابهم وإقامة العلاقات الإنسانية الطبيعية معهم وهو أمر يعتمد أيضا على نوعية القيم التي تحكم المجتمعات المتوطنة ( الأصلية ) ومدى تمسكها بها وكذلك نوعية القيم الوافدة ومدى تمسك الوافدين بها وإمكانيتهم لنشرها والدفاع عنها.
هذه من أهم السنن الاجتماعية التي تحكمت بأجيال البشرية جميعها منذ بدء الخليقة حتى يومنا هذا ولبداهتها فهي الرد الحاسم والحازم على أي نظرية عنصرية تعتمد مبدأ الدم والعرق أساسا لها ، وهي تأخذ حيزا موضوعيا في المجتمعات الشرقية لتمسكها بالقيم النسبية واعتمادها في علاقاتها بعدما تخلت عنها المجتمعات الأوربية بصورتها العلنية من خلال الحروب والصراعات الدموية البائسة التي حصلت فيها بين القوميات والاثنيات ولكنها لازالت تؤمن وتتمسك بها فهم انكلوسكسون وفرانكفونيين وغيرهما وقد يكون حسهم ألاثني نارا تحت رماد ما أن تجد مسارا لظهورها إلا واحتلت اهتمام هذه المجتمعات وفي عصرنا الراهن تبدو واضحة للعيان من خلال الانتخابات التي تتم في البلدان المتعددة الاثنيات .
لهذا وغيره فإن الواقع الموضوعي الذي اشرنا أليه يعني لا وجود لمجتمعات نقية الدماء ولا مجتمعات تعتمد قيما هي ما جاءتهم من الإباء والأجداد لان القيم متحركة وذات روح منفعلة مما يعني وجود تلاقح أخر بين المجتمعات المتجاورة أو غيرها من الأسباب الطبيعية وغيرها أيضا .
إذن فبسبب الحروب والمعارك التي حصلت في المنطقة الجغرافية التي اشرنا لها سابقا فقد حصلت عمليات استيطان بعضها كبير جدا مثل استيطان القبائل اليمانية في البصرة والكوفة أثناء الفتوحات العربية التي حصلت في القرن الهجري الأول وبعضها فردي محدود.
من الأسباب الأخرى التي أدت إلى استيطان من نوع أخر هو ظاهرة السبي التي كانت تمثل إحدى نتائج المعارك وطريقة التعامل مع السبايا رجالا وتساءا على حد سواء فبعضها أعطى ثماره في وقته كما في حالة المأمون العباسي أو الحالات الأخرى التي أخذت فترات زمنية متباينة لانصهار هؤلاء ضمن المجتمعات التي جُلبوا أليها وحصول التزاوج الذي أدى إلى إتمام عملية الانصهار بصورة كاملة وانتهاء نسب كثير من السبايا مع الأخذ بنظر الاعتبار الزواج من النساء المسبيات وتوالد جيل أو أجيال نتاج هذه العمليات .
تتميز المنطقة تلك أيضا بسيادة الظلم والاضطهاد بجميع أشكاله وصنوفه والذي أدى إلى هجرة أفراد وجماعات إلى مناطق أخرى هربا من هذه الحالة المستديمة في المنطقة حتى ألان وإذا ما كان الشخص مطلوبا للسلطة الحاكمة فانه سوف لن يعلن عن أصله ونسبه مادام لا يأمن السلطة تلك وعيونها التي مازالت تترصد دقات قلوب هؤلاء الجياع خوفا منهم على السلطان والحكم وفي قصة القاسم بن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام ما يؤكد ذلك مضافا إلى مئات الحالات من هروب العلويين إلى أصقاع الدنيا كافة هربا من القتل على أيدي السلطات الأموية والعباسية ، وفي هجرة أقوام يمانيين من الكوفة واتخاذ منطقة قم في إيران ملجأ لهم من ظلم واستبداد الحكام الأمويين دليلا أخر لمثل هذه الحالات.
وأخرا وليس أخيرا فهناك كثير من الأسباب التي سنتركها هنا ونصل إلى أن هذه المنطقة وحتى زمننا الحاضر وبعدما تشكلت دول عليها وحددت حدودها على أوراق الخرائط إلا أن عمليات التسلل والتهريب قائمة على قدم وساق ولن تستطيع أية قوة أو إمكانات مادية من القضاء التام عليها وذلك لوجود كثير من الأسباب التي ذكرناها قائما في المجتمعات الحاضرة والأدلة في هذا الموضع لا تعد ولا تحصى ابتدءا من الحدود الأمريكية المكسيكية وصولا إلى الحدود السورية والكويتية والسعودية والإيرانية مع عراق سايكس بيكو .
إن الرجوع إلى الوراء وعلى زمن الدولتين الفارسية والرومانية وعلى زمن الحكومات العربية فإن حركة القبائل والعشائر طلبا للعشب والماء كانت سائدة حتى نهايات القرن التاسع عشر وردحا من القرن العشرين فلا مانع من حركة قبيلة بكل أفرادها من منطقة تقع ألان تحت حكم دولة أل سعود لكي تتوطن في منطقة تقع ألان تحت حكم دولة تركيا بحيث تحمل المنطقة الجديدة هذه اسم تلك القبيلة ( ديار بكر ) أو حركة قبيلة ربيعة بين يمامة الحجاز وذي قار بلاد الرافدين وحلب الشام بحيث امتد وجودها على مساحة هذه الأرض وشمل غيرها توسعا جغرافيا.
لما كانت الحكومات تلك لا يمكنها منع حركة الأفراد والقبائل ولأنها تعتمد في حياتها على الرعي وتربية المواشي والأنعام فقد حصلت الحركات تلك بيسر مما أدى إلى عدم سيطرة الحكومات عليها مادامت غير مستوطنة وهذا هو السبب الرئيسي الذي دعا والي العثمانيين على ولاية بغداد مدحت باشا للقيام بحملة واسعة لتوطين تلك القبائل لإحكام سيطرته عليها ومنع حدوث الثورات والحركات الانفصالية التي يقوم بها كثير من المغامرين والمقامرين برؤوس وأرواح أولئك الجياع ومن المؤسف أن هذا مستمر حتى ساعتنا هذه وتحت أسماء وعناوين مقدسة عند الله سبحانه ولكنها ليست كذلك عند هؤلاء.
إن انعدام تواجد سلطان الدولة وضعفها في أوقات أخرى سيؤدي إلى تعزيز مكانة ودور رؤساء القبائل وزعمائها بحيث يكون القانون السائد والقيم المتعارف عليها هي تلك القبلية والعشائرية التي تسمى ( السناين ) وهي لازالت حتى عصرنا هذا بالرغم من قوة وجبروت السلطات الحاكمة وفي أحيان كثيرة وحشية الأنظمة في تعاملها مع الجياع من رعاياها .
وللتدليل على هذا فإننا نجلب انتباه المتلقي الكريم إلى حالة العراق والعراقيين بعد 9 نيسان 2003 وهو اليوم الغير متفق عليه لحد ألان فقد حافظت القوانين والسنن العشائرية والقبيلة بشكل تام في بعض المناطق في بعض الأحيان وبصورة اقل من غيرها على أرواح وممتلكات الأفراد وحتى الممتلكات العامة العائدة للدولة .
أما لماذا في بعض المناطق بصورة تامة وفي أخرى عكس ذلك أو اقل منه فهو بسبب السياسة القذرة التي اعتمدها نظام البعث في تحطيم وتدمير كل المتبنيات في المجتمع سياسية واقتصادية ودينية واجتماعية وكل شيء وصلت يد النظام وأزلامه أليه ومنها الزعامات القبلية والعشائرية واستدراج بعض ضعفاء النفوس وبعض المنحرفين للتصدي للرئاسة والزعامة لأسباب مادية لقسم منهم ولأسباب نقص الشخصية عند الآخرين مما أدى إلى ظهور تناحر بين رئاسات وزعامات أصيله وتلك المصطنعة من قبل النظام وأجهزته القمعية والتي نفذها النظام في مناطق محددة ولم ينفذها في مناطق أخرى مضافا إلى وجود حالات تقبل لدى البعض وعدم وجودها عند الآخرين على مستوى الإفراد والقبائل والعشائر.
وبهذا يتبين لنا جزما بالواقع الموضوعي مضافا إلى التحليل الاجتماعي أن الفترة التي حدثت بها ثورة العشرين المجيدة كانت تسود المجتمع القيم القبلية والعشائرية بدون منازع حيث يمتلك الرئيس والزعيم سلطة مطلقة على الفرد وكافة متعلقاته من بيت ومال ونساء وغيرها وقد كانت المناطق تسمى بأسماء قاطنيها من تلك القبائل وتوجد بينها حدود معترف بها من الجميع وهناك عقوبات لمن يتجاوزها فلازالت منطقة في النعمانية تسمى ( الحد ) وهي عبارة عن مجرى مائي من دجلة وهو كان حدا رسميا بين منازل قبائل ربيعة ومنازل قبائل زبيد وقد حملت المنطقة هذا الاسم في التسميات الرسمية حاليا فهي تسمى ( مقاطعة الحد والخطابية ) .
وخير دليل على ما نقول هو ما قاله الملك فيصل الأول واصفا فيها العراقيين وحاله معهم فيقول في مذكرة كتبها عام 1931 ما يلي { "إن البلاد العراقية هي جملة من البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية ذلك هو الوحدة الفكرية و القومية و الدينية فهي والحالة هذه مبعثرة القوى منقسمة على بعضها و باختصار أقول وقلبي يملؤه الأسى إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد بل توجد كتلات بشرية خالية من أي فكرة وطنية ، هذا هو الشعب الذي أخذت مهمة تكوينه على عاتقي" }
وبناءا على ما سبق نجد أن جميع الباحثين والدارسين والمؤرخين للثورة سواء أسبابها أو مجرياتها ونتائجها فإنهم جميعا لا يستطيعون حجب حقيقة دور العشائر بأي غربال مهما كان فهو وان أيده البحث التاريخي الموضوعي فان البحث التحليلي معه كذلك بالإضافة إلى الواقع الموضوعي الحالي الملموس من الجميع وبالأخص للفترة من 9 نيسان 2003 وحتى يومنا هذا.
لا بل إن المحتل الانكلوامريكي والحكومة الحالية وجدت في عام 2006 ضرورة قصوى للاعتماد على القبلية والعشائرية في محاولة إعادة الأمن والاستقرار فبادرت إلى عقد المؤتمرات والاجتماعات المتكررة بين رؤساء وزعماء القبائل والعشائر الأصيلين منهم بالإضافة إلى طبقة ( شيوخ التسعين ) كما سمتها المعارضة الداخلية الحقيقة للنظام البائد.
لم تستطع الجغرافيا في السكن من إحداث تباين بين أفراد القبيلة والعشيرة الواحدة فذلك الذي ينتسب إلى ربيعة ويسكن شمال العراق فهو أخ وابن عم للذي يسكن جنوب العراق وكذا بين المنتمي إلى شمر جربة وشمر طوكة وباقي القبائل والعشائر.
إلا أن الواجب البحث فيه ودراسته هو الوازع الديني ونعني به الوازع الطائفي حيث إن نسبة المسلمين من سكنت الولايات العثمانية الثلاث ( بغداد والبصرة والموصل ) تصل إلى 98% من السكان ولكنهم مختلفون في المذاهب التي يتبعوها وخصوصا الخلاف الأساسي بين شيعة أهل البيت عليهم السلام وأهل السنة والجماعة حيث تنقسم قبائل وعشائر بنسبة 99% من أفرادها في أتباع مذهب معين مثل قبائل الدليم وقبائل بنفس النسبة من شيعة أهل البيت مثل قبيلة خزاعة ( الخز اعل ) وغيرهما من الأمثلة.
بعيد الاحتلال الثاني للعراق في ربيع عام 2003 حاولت مع مخلصين آخرين التشاور مع القيادات القبلية والعشائرية والسياسية والدينية لوضع مشروع وطني عراقي ليس فيه ومنه صلة بالمشروع الانكلوامريكي الذي جاء به الاحتلال سوى وجوب عدم تقاطع المشروع الوطني معه في الوقت الحالي وذلك لعدم توفر الإمكانيات المادية خلال الفترة تلك والتي تمتد من الأسبوع الثاني لاحتلال بغداد وحتى يوم وساعة إعلان تأسيس مجلس الحكم ودخول عدد ممن تشاورنا معهم بل أن احدهم كنا عنده في بيته ليلة إعلان التشكيل وقد اخبرنا بأنه سيستقبل برا يمر تلك الليلة وبالفعل وصل برايمر ونحن نركب سيارتنا.
كنا وفي جلسات التشاور تلك نطرح موقفا واحدا ينص على تمثيل العراق بخيمة يستظل بها العراقيون ويحمل هذه الخيمة عمودين أساسيين هما القيادات الدينية والقيادات القبلية والعشائرية وكان طرحنا هذا مبني على روح التحليل السابق للواقع الاجتماعي في العراق مستندا على حقيقة هامة جدا بأننا بقينا في داخل العراق لم نغادره مطلقا وعشنا فوق ربوة عالية ننظر بعدما حولنا كل خلايانا الجسمية إلى عيون فنظرنا إلى كل شاردة وواردة وصغيرة وكبيرة ، ولم نكن من مستوى ثقافي واحد أبدا فبيننا حاملي شهادة الدكتوراه بمختلف العلوم وتدرجا في الشهادات إلى من لا يحمل إلا الابتدائية مع تنوع المهن والأعمال من أرباب أعمال حرة إلى موظفين ومسئولين في دوائرهم وقد يجد البعض أن وجود منتسب يحمل رتبة كبيرة في جهاز امن صدام يجد فيها مثارا لجدل أو اتهام أو إعجاب وإكبار بهذه القابلية والإمكانية ولكن هذا الشخص من النزاهة والوطنية ما سجلنا له مواقف خطيرة جدا على حياته ولكنه جازف من اجل الحق الذي يؤمن به ولم تكن لنا جلسة بصورة سرية إطلاقا ولم يتغير محل جلوسنا مطلقا ولم نَسْلم من تقارير الناقصين والمجرمين ولكن وجود من هم برتبة عضو في الحزب بيننا يدرأ عنا غائلة الوحوش الكاسرة في مقرات البعث التي تنتظر الانقضاض على كل شيء مهما يكن بسيطا فكيف بهذه الفريسة الدسمة جدا ( أمر المستشفى العسكري وعميد ومقدم طبيب ومدير مصنع ومقدم امن ودكتوراه باختصاص معين وهلم جرا) فهؤلاء صيد ثمين جدا ولكن الرعاية الإلهية حالت بيننا وبين تلك الكلاب المسعورة فقد قتل الله الباغي علينا في إحدى المرات بعد عشرة أيام من كتابته تقريره وذلك عندما خرج يحارب المجاهدين في منطقة الدجيلة.
عند دراسة الواقع الموضوعي الديني في العراق فلابد من مراعاة النظر فيما يلي:-
1) النظر في درجة الوعي الديني وتحديد نسبته بين أولئك الجياع.
2) تحديد نوعية هذا الوعي .
وبشكل عام يمكننا تمييز حالين للوعي احدهما ما هو موجود عند أبناء طائفة أهل السنة والجماعة وأخر عند أبناء الطائفة الشيعية فهناك تباين واختلاف كبير بينهما وهذا بسبب الاختلاف الجوهري في القيادة الدينية لكلا المذهبين ففي الوقت الذي يكون إمام المسجد وقد يكون مؤذنه مرجعا عند أهل السنة والجماعة فان الشيعة لديهم من الأوصاف والمواصفات في مرجعيتهم الكثير الكثير وعندما تكون مرجعية المسجد لأبناء السنة والجماعة متحركة ومتنقلة أي بمعنى أينما كان إمام أو خطيب ومسجد فهي ضالته ومرجعيته في حين تكون مرجعية الشيعي ثابتة في مكانها ولا يتم استبدالها من قبل التابع إلا بموتها أو ظهور من هو اعلم منها والحالة الأولى هي السائدة لان الثانية تعود إلى فئة وطبقة المجتهدين ومن هم قريبون منهم في العلمية.
من الطبيعي وجود فروق وتباينات كثيرة بين هاتين المرجعيتين فعندما ندرس حالة الفردانية عند الشيعة فإننا نجد حالة مستقرة ثابتة ضمن قوانين وضوابط أحيانا تكون صارمة فهذا يدلنا على حالة من الولائية بين التابع والمتبوع أو ما يسمى المجتهد والمُقلِدْ فيها من الترابط ما يجعل المقلد ( بضم الميم ) تابعا للمجتهد في جميع أموره الدينية والدنيوية فهي علاقة اجتماعية واقتصادية ومالية وشتى مناحي الحياة والأمور الأخرى لا يحق له التصرف إلا وفقا لفتوى المجتهد الذي يقلده.
بإزاء هذا لا نجد مثل هذه كلها ولا بعضها في العلاقة بين إمام وخطيب المسجد والمصلي وراءه ففي الوقت الذي يكون الإمام والخطيب موظفا معينا من الدولة لا توجد عند المذاهب الأربعة موارد مالية ضخمة مثل الخمس والتي تمثل 20% من فائض مؤونة الشخص في سنته المالية ( هذه مصطلحات فقهية لابد من ذكرها لأهميتها للمتلقي) وهي موارد عالية جدا وفي احتسابها وتصريفها تشريعات كثيرة عند فقهاء الشيعة وتختلف بينهم .
وعليه فإن المتابع يجد نوعا من الالتزام الفطري والمنضبط بشكل عجيب عند منتمي المذاهب الأربعة فيما يخص أداء العبادات فمثلا نجده مواظبا على أداء الصلاة في أوقاتها ولا يتأخر عن الذهاب إلى المسجد لأدائها ، بينما في الطرف المقابل نجد نوعا من التهاون بمثل هذه الأمور.
إن عدم وجود حالة الاجتهاد لدى المذاهب الأربعة أوقفت بشكل تام حالة يسمونها التطور الفكري للعقائد والعبادات بينما امتاز الفكر الشيعي الأصولي بعكس هذا وقد بان خلل كبير اعتبارا من ستينات القرن الماضي وظهور اختراعات واكتشافات مادية هائلة دعت المتشككين إلى الاستفتاء بحليتها من حرمتها وهي ظاهرة لا زالت حتى يومنا هذا مما دعا فقهاء الشيعة إلى استحداث ما يسمى ( باب المسائل المستحدثة ) بل خرج قسم منهم من نطاق الكرة الأرضية نحو الكون فاستحدث باب ( فقه الفضاء) في الوقت الذي شعر رجال الدين في المذاهب الأربعة بهذا القصور وهذا النقص مما دعاهم للبحث وإيجاد وسيلة لحل هذه المعضلات فاستعانوا بالأزهر واعتمدوا دورا للفتوى واستعانوا ببعض العلماء عندهم لحلها.
لكن الباحث في فترة العقدين الأوليين من القرن العشرين الماضي يجد أن درجة الوعي الديني عند طبقة الجياع التي تمثل الغالبية العظمى لا تتعدى أداء الفرائض بأشكال وصور قد لا تمثل واقعها مع اندفاع عاطفي نحو الرموز الإسلامية الأولى والدينية الحاضرة وهذا نتيجة طبيعية لحالة الجهل البسيط والمركب التي تسود المستوى العلمي عند هذه الطبقة وعدم توفر فرص التعليم إلا ما ندر وانحصار الطبقة المتعلمة والمثقفة في طبقة الرؤساء وأصحاب الأموال وبعض من سكان المدن وبعضهم يجد في جهل الأخر سببا لحصوله على امتيازاته أو الحفاظ عليها .
لقد مثلت القيادات القبيلة والعشائرية لأبنائهم وإخوانهم في قبائلهم وعشائرهم قدوة مطلقة فالباحث يجد أن هذا لازال قائما حتى يومنا الحالي فعندما يلتزم الرئيس أو الزعيم دينيا ويطبق العبادات فان غالبية لا باس بها من قومه يسيروا على نهجه هذا والعكس صحيح.
بقي من الفوارق المهمة جدا بين جياع الشيعة وجياع أهل السنة والجماعة وهو نوعية العلاقة والارتباط مع أهل بيت الرسول عليه وعليهم الصلاة والسلام ففي الوقت الذي نجد أن منتمي المذاهب الأربعة من الجياع قد لا يعرفوا أي شيء عنهم أو أنهم لا يتعدون في معرفتهم سوى أن عليا عليه السلام كخليفة راشد رابع وولداه وزوجته عليهم السلام وكفى ولا يتطلب منه أية مودة لهم كما يأمر بذلك القران الكريم وكما تقول الآية الكريمة رقم 23 من سورة الشورى { ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} بل المودة عنده وحسبما تعلمه من إمام وخطيب المسجد هو حبهم كما أنت تحب صديق لك غريب بعيد عنك وهذه مقاربة مهمة جدا في الخلاف بين الطرفين .
إن لمفهوم مودة قربى الرسول (ص) عند الشيعة أهمية قصوى تحمل في طياتها ارتباطا عجيبا وغريبا جدا في بعض التصرفات اتجاههم فهم يطيعونهم طاعة عمياء مطلقة تعبيرا عن حبهم وهو ما يفهموه من مودتهم لأل الرسول (ص) وذريته والشيعي يجد في من ينتسب إلى رسول الله (ص) بنسب عن طريق ولديه الحسن والحسين عليهما السلام بأنه يمثل ذرية رسول الله (ص) وهو امتداد موضوعي للرسول (ص) بذاته دما ونسبا وتجب مودته حتى إن نصف المبالغ المتحصلة من الخمس توزع عليهم ولا تجوز عليهم الصدقة مطلقا ، وإن الباحث ليجد أن من هو من ذرية رسول الله (ص) في بعض المجتمعات الشيعية يكون مكفولا من جميع احتياجاته المادية وكل خدماته التي يؤديها الآخرون تقربا إلى الرسول الخاتم (ص) ومثل هذا يكون له الأمر والنهي ويتقدم حتى على الزعماء والرؤساء مما اوجد طبقة لها نفوذ عاطفي في قلوب الشيعة سواء يعرفون ذلك الشخص ونسبه أو يجهلونه إذ يكفي انتسابه قولا أو بواسطة الزى المميز لهم وإذا ما تصرف رئيس القبيلة أو زعيمها أو أي فرد من أفرادها بتصرف لا يليق مع احدهم فسيقابل من أبناء عشيرته بالزعل وعدم الرضا تخوفا من عقوبة إلهية تنزل عليهم لاسائتهم وعدم إطاعتهم لذرية رسول الله (ص) وهذا بحد ذاته ولاء مطلق يمكنه تسيير عقول الرجال نحو ما يصبو أليه من أهداف علما انه لا يوجد مفهوم عند آهل السنة والجماعة لذرية رسول الله (ص) كما اشرنا سابقا ولا توجد مثل هذه الفئة أو الطبقة ولا مثل هذا النفوذ القلبي العاطفي.
وكما نؤكد هنا على العلاقة الرابطة بين المجتهد والمقلدين حتى وان كانوا لا يعرفون ماهية التقليد وكيفيته ولكنهم يرون في من يلبس العمامة السوداء أساسا والبيضاء أيضا يرونه يحمل تحتها علما جما مضافا إلى أن تواجد الفقهاء والمجتهدين في مدينة علي عليه السلام جعلهم قبلة لهؤلاء الجياع لان غالبية منهم لا يعرفون سوى أنهم شيعة علي عليه السلام وكفى وهذا ما لا نجده ولا لمثله عند أبناء القبائل والعشائر السنية.
هذه تقريبا صورة يمكننا رسمها للوضع الاجتماعي الذي كانت عليه المنطقة التي تضم منطقة عربستان وإقليم ديار بكر وأجزاء من منطقة أيلام الإيرانية الحالية وامتدادا نحو الظهير العربي جنوبا وغربا فهي حالة من القيم والسنن القبلية والعشائرية يثقلها جهل عميق ووعي ديني يغلفه ذلك الجهل وانقسام مذهبي بين هذه القبائل والعشائر سكنا وتعارفا حتى لفروع نفس القبيلة كما هو الحال مع شمر وربيعة وغيرهما فالقبائل التي سكنت مناطق غرب الفرات وغرب الموصل تمثل ثقل العشائر السنية بينما كان سكان السهل الرسوبي وأسفله حتى الخليج وامتدادا إلى أجزء من المناطق التي تقع ألان ضمن حدود إيران الجغرافية كانت تمثل ثقل العشائر الشيعية ولكن هذا الانتماء لم يكن له أي امتداد أو ارتكاز معرفي بل هو انسياق عاطفي بحت وكما هو حاله في زمننا الحاضر بالرغم من التطور الهائل في العلوم والمعرفة.
بقي علينا معرفة النظام الحاكم وطريقته في تسيير أمور البلاد والعباد لاسيما وان هاذين العقدين من القرن المنصرم تمثلان حالة تحول في حكم المنطقة من الاستعمار التركي بصفته العثمانية إلى الاحتلال الانكليزي وهما شتيتين في الأهداف والتكتيك والستراتيجيا .
لقد اتسم نظام الحكم الاستعماري التركي بالبطش العنيف والقمع الدموي لكل روح معارضة أو ذات رأي مخالف له وبالأخص النقيض المذهبي له ويأتي بعده النقيض القومي ولهذا فقد وضع نصب عينيه محاربة المذهب الشيعي ومرتكزا ته ورموزه وأتباعه باستخدام كل الأساليب القذرة والمشينة لاسيما وان إيران قد تحولت إلى المذهب الشيعي ودخلت في حروب استعمارية طامعة مع العثمانيين مما جعل المنطقة ساحة قتال ومعارك عنيفة بين الدولتين وضحيتها سكان هذه المناطق طبعا وهذا كان سببا مهما في ثورات وحركات عصيان تقوم بها القبائل في أوقات وأماكن متفاوتة وقد اشرنا سابقا إلى عمليات التوطين التي قام بها مدحت باشا للتخلص من حالة الحركة الدائمة والتنقل الذي تتصف به القبائل والعشائر وقد استطاع هذا الوالي ومن جاءوا بعده من توطين اغلب القبائل والعشائر المتجولة في منطقة السهل الرسوبي وذلك لتوفر الماء وخصوبة الأرض وتوفر الإمكانيات لعملية الزراعة وقد حصل ذلك فعلا وهو ما تبتغيه سياسة التوطين هذه وهي تصفية روح المعارضة المتجذرة عند هؤلاء.
لم تشمل سياسة التوطين تلك المناطق المحاذية لسوريا والسعودية والأردن والكويت بصورة صارمة مثلما كانت في المناطق الأخرى وذلك لسبب جغرافية المنطقة وكونها صحراء قاحلة ولان سكانها من البدو ينتمون إلى المذاهب الأربعة ولا توجد لديهم أية روح لمعارضة الاستعمار التركي بل تأييده ومعاونته سيرا على توجيهات مرجعيات المساجد من الأئمة والخطباء في المدن والذين هم موظفون لدى الحكومة التركية إن لم يكونوا أتراكا أصلا وهؤلاء الأئمة والخطباء لا يعقل منهم معارضة ولي نعمتهم ، مضافا إلى أن نفث أية كمية من سم الطائفية في صفوف هذه القبائل على أن الأتراك هم إخوانهم في المذهب مما يقلب أخوتهم النسبية مع من هم أتباع مذهب أخر إلى عداء ومشاركة الجيوش التركية في المعارك التي تجري لقمع تمردهم وبعبارة أخرى فإنهم يُغلبون الانتماء المذهبي على الانتماء النسبي وبديهيا الانتماء بالمواطنة والسكن.
وبهذا يمكننا القول أن نسبة كبيرة من القبائل والعشائر في المناطق التي اشرنا أليها في المقطع السابق بقوا على بداوتهم ومهنة تربية المواشي والرعي وهي تتطلب التنقل الدائم طلبا للماء والكلأ وهذا يؤدي اجتماعيا إلى زيادة قوة الترابط العشائري بين الأفراد لكونهم رحلا وهو يتطلب الحماية من الغزو أو الاعتداءات بمعنى وجوب توفر اكبر عدد ممكن من الرجال الذين يُؤتمنون على مضارب القبيلة بشكل أكثر متانة للحصول على اكبر تضحية ، بينما نجد أن الروح الدينية لا تظهر بأية صورة على البدوي المرتحل دوما فطبيعته هذه لا تسمح له بزيادة وعيه الديني بسبب صعوبة اكتساب معلومات دينية من سكان المدن فقد يعيش بعضهم ويموت وهو لم يرى مدينة بعينه مطلقا.
بالمقابل من هذا نجد أن القبائل الشيعية المستوطنة حصّلت على فرص كثيرة لنمو وعيها الديني لأسباب عديدة منها طبيعة المذهب وتعلقه الكامل بحب أهل البيت وإقامة الشعائر في مناسباتهم من وفيات وولادات مضافا إلى الاستحباب المؤكد عليهم بزيارة المراقد الشريفة للائمة عليهم السلام وهذا يعطيهم فرصا لمقاربة مجتمعات المدن واللقاء بسكانها وحتى التعامل معهم في السكن أو الشراء ولا ننسى أن هناك فئة من خدمة المراقد المقدسة أو من سكان المدن المشرفة تلك امتهن خدمة هؤلاء الزوار وهو يعني تقاربا وتلاقحا بينهم مضافا إلى تكون طبقة أخرى امتهنت الذهاب إلى مواطن القبائل في أشهر رمضان ومحرم وصفر لإقامة الشعائر الحسينية خصوصا واغلب هؤلاء هم من طلبة العلوم الدينية الذين يتمتعون بعطلة دراسية خلال هذه الأشهر وهم بحاجة ماسة إلى العون المادي الذي يحصلون عليه مقابل تقديمهم النصح والإرشاد الديني للقبيلة وكان هذا القادم من مدينة النجف الاشرف خصوصا هو موضع تقديس زيادة على التقدير عند رئيس القبيلة وأفرادها كما انه من الأجدر الإشارة إلى أن عددا من المجتهدين والفقهاء قاموا بمثل هذا الواجب العظيم أمثال السيد مهدي القز ويني رحمه الله والشيخ محمد رضا والشيخ علي أل كاشف الغطاء رحمهم الله وقد يكون هناك غير هؤلاء ولكننا لم نحصل على خبر لعملهم هذا وهذه الحالة لازالت مستمرة حتى يومنا وذلك بوجود مرشد أو واعظ لكل قبيلة أو عشيرة وحتى لكل منطقة وقرية يسكنها عدد من البيوت فإن لهم من يأتي أليهم في هذه الأوقات لأداء أقدس واجب ديني وحتى في زمن البعث وأزلامه فقد التزم القادم ومستضيفه وقسم منهم تحمل من اجله أذى كثيرا.
يعتبر ذكر ثورة سيد الشهداء الحسين عليه السلام العمود الفقري لموعظة وإرشاد هؤلاء المبعوثين للقرى والأرياف وبالضرورة فإن ذكرى ثورة أبّي الضيم على ظلم وبغي وانحراف الملوك الأمويين تترك أثرا نفسيا عميقا عند الفرد الشيعي بُنمي روح المعارضة للظلم ذاتيا عنده : أذن فكيف يكون تـأثير هذا عند أناس يمكننا القول عن حبهم وولائهم لأهل بيت الرسول عليهم السلام بأنه خالص من كل شائبة مادية دنيوية مطلقا ، ولهذا فإن هؤلاء ولوجود الحافز لمعارضة الظلم كامنا في ذواتهم فأنه وبمجرد تحفيز هذا الحافز تنطلق قوته بركانا ثائرا.
إن ظاهرة الترحال والتنقل تعطي الفرد في القبيلة فرصة الابتعاد عن الدولة والحكومة ومتطلبات الولاء لها مثل أداء الخدمة العسكرية في جيوشها وكذلك قبض الضرائب والإتاوات التي تفرض عليهم وبعبارة أخرى فإن المترحلين لا تنمو عندهم روح ممانعة واعتراض على الحكومة لعدم قدرتها الوصول أليه ومطالبته بتنفيذ أوامرها وقد يقضي عمره لا يعرف معنى في حياته لهذا المصطلح أو المفهوم بينما ينمو هذا الشعور بشكل متفجر خارجيا عند أولئك المتوطنين لاسيما وان نظام الحكومات تلك فاقت في ظلمها للأفراد حد الوصف والنعت.
وعلى هذا فإن الباحث عن هوية ثورة العشرين الخالدة لابد له من البحث أولا في الظروف الموضوعية المحيطة بالحدث وبالقائمين به مضافا إلى دراسة الظروف الذاتية لهؤلاء الجياع وهم الذين سماهم دعاة الفكر القومي العنصري بأنهم هدف الثورة وأداتها والحقيقة أنهم وقود الثورة وليسوا هدفا لها إلا ثورة العشرين المباركة كما وجدنا ذلك من خلال بعض التحليلات السالفة.
لقد وجدنا أن هذه الثورة المجيدة ومن دون غيرها حملت هوية الثورة الشعبية بامتياز وشرف فهي ثورة قام بها أبناء القبائل والعشائر بقيادة دينية مطلقة وهي حركة جهادية لإعادة الحق إلى أهله وتميز الثوار فيها بالتضحية الكاملة ومن دون انتظار لرد أو مكسب إلا رضا الله سبحانه وتعالى أي إن الروح الدينية كانت الغالبة في التضحية والفداء ولكن الروح القبلية والعشائرية كانت المحفز الذي ساق هؤلاء الثوار إلى ساحات الوغى يحاربون جيشا هو الأقوى والأكبر في زمانهم وعصرهم ويواجهون قوة عسكرية تمتلك من القوة المادية ما تستطيع قذائف مدافعها وطائراتها من إنزال الموت بأعداد كبيرة من الناس ومن الحيوانات مضافا إلى قوتها التدميرية على المباني والمساكن وهؤلاء الجياع يحملون سيوفهم و ( مكاويرهم ) و ( فالاتهم ) وبنادقهم التي تسمى ( أم عبية ) واستطاعوا إنزال اكبر هزيمة معنوية ببريطانيا العظمى كما سمى الانكليز دولتهم وإمبراطوريتهم تلك .
و لربما يوجد من يسأل أن هذا التحليل متطابق مع الواقع الموضوعي لقيام الثورة وانطلاقتها وسير المعارك التي دارت خلالها وصولا إلى خاتمتها ونتائجها وقطف الثمار؟ وهو سؤال مشروع جدا وللإجابة عليه يمكننا القول أن من أرخوا للثورة من عراقيين وعرب وانكليز كلهم أكدوا على أن الترتيبات الأولية للاستعداد للقيام بالثورة حصلت كلها في مناطق الفرات الأوسط وهي مناطق شيعية وفقا للتصنيف المذهبي للمناطق العراقية وكذا أسماء الزعماء الذين عملوا هذه الترتيبات بل إن تكوين جمعيات سرية حصل في عاصمة التشيع العالمي وهي مدينة النجف الاشرف وربما أن العودة إلى بداية دخول المحتل البريطاني للعراق ووقوف القبائل والعشائر الشيعية وخصوصا في مناطق الفرات وقوفها مع المحتلين الأتراك بالرغم من أن جراحهم بعد لم تندمل من ظلم وتعسف أولئك الأتراك المتطرفين قوميا ومذهبيا ولكنهم نسوا هذا كله وهبت تلك القبائل لتسير وراء القيادة الدينية التي كان رأسها الفقهي هو المرزا الشيرازي والسيد اليزدي في النجف ورأس حربتها في ساحة المعركة المرحومين السيد محمد سعيد الحبوبي والسيد محسن الحكيم اللذان كانا في مقدمة المقاتلين في معركة الشعيبة.
نزلت القوات البريطانية المحتلة إلى بر الفاو بتاريخ 1/11/1914 وقد سارع المفتي التركي والملقب بشيخ الإسلام ( خيري أفندي ) لإصدار فتوى اوجب فيها الجهاد على اعتبار أن البريطانيين وهم من النصارى إلا إنهم ومن وجهة نظر الأصوليين من كافة فرق المسلمين يعتبرونهم كفارا وكان تاريخ صدور الفتوى هذه من المفتي في 7/11/1914 ولكنه أعاد إصدارها بتوقيع ثلاثين من أئمة وخطباء المساجد في 23/11/1914 ولكنه وكما بينا في بحثنا هذا فإن هذه الفتوى لم تجد التجاوب معها من قبل من وصلت أليهم .
لما رأى عدد من أعيان وعلماء البصرة هذا الضعف في التفاعل مع فتوى شيخ الإسلام اضطروا إلى إرسال برقيات إلى علماء النجف وكربلاء والكاظمية يطالبون فيها إصدار فتاوى بجهاد الانكليز وقد فعلوا هذا تحت تأثير الضغط التركي على بعضهم والولائية للأتراك للبعض الأخر منهم مع وجود أشخاص من أصول تركية بينهم وقد أعقبوها بأخرى حملت تواقيع لشخصيات شيعية مثل إبراهيم المظفر والسيد مهدي الموسوي والحاج جعفر العطية وغيرهم وكان لانتشار خبر ونصوص هذه البرقيات بين أبناء مدن النجف وكربلاء والكاظمية بتوجيه وإشراف من الحكومة التركية العثمانية وعملائها أثرا واضحا في استنفار العواطف والهمم لدى من أسميناهم بالجياع وعليه فقد اصدر الفقهاء والمجتهدين فتاواهم الشهيرة بوجوب جهاد البريطانيين.
وقبل الاسترسال لابد من الوقوف على مدى تأثير الوازع الديني سواء في التهيئة للثورة وكذلك تفجيرها مع التأكيد على أن عدم وجود قيادة دينية لأبناء السنة والجماعة هي التي جعلت فتوى شيخ الإسلام حبرا على ورق ولم تجد صدى لها وسنجد أن هذا سيستمر مع سير عمليات الثورة لان أهل السنة والجماعة التحقوا بركب الثوار في أيام الثورة الأخيرة ونتيجة لأسباب ذاتية وقد تكون شخصية وليس دينية كما هو في حالة أبناء الطائفة الشيعية.
إننا لا ندعي هنا على الحكومة التركية وإنما هناك من الحقائق والوقائع ما يؤيدنا فقد أرسلت حكومة بغداد وفدا لمقابلة السيد كاظم اليزدي يضم ( محمد فاضل الداغستاني وشوكت باشا وحميد الكليدار ) لأجل تحسين أجواء العلاقة مع السيد والتي تأزمت خلال حركة المستبدة والمشروطة وقد أدى هذا إلى إصدار فتوى من السيد بوجوب الجهاد وإلقائه خطبة في صحن أمير المؤمنين عليه السلام استنهض فيها همم الناس والاهم من كل هذا هو إرساله ولده السيد محمد إلى بغداد وللعشائر والقبائل لاستنهاض همهم مع وفد من طلبة العلوم الدينية وفي كربلاء تبنى علماء الدين نفس الواجب وكان رأس نفيضتهم السيد إسماعيل الصدر وأما في الكاظمية فقد تزعم حركة التمهيد وشحذ الهمم عند الناس السيد مهدي الحيدري والشيخ مهدي الخالصي وقد اشرف كل منهما على حملات التطوع وإرسال المقاتلين إلى ساحات المعارك وقد لاقت هذه الفتاوى استجابة عظيمة في كل المناطق ومن قبل عامة الناس وزعمائهم على حد سواء.
ومما يجدر التنبيه أليه هو موقف مدينة سامراء وبالذات موقف المرزا محمد تقي الشيرازي والذي اصدر فتوى الجهاد وأرسل ولده محمد رضا إلى بغداد للمشاركة مع حملات التطوع في الكاظمية.
ومن هذا نستدل على أن فقهاء وعلماء الشيعة كان لهم الأثر الأول والأساسي والرئيسي في تجييش أبناء القبائل والعشائر لمقاومة الانكليز عند بدء احتلالهم ولكن ذلك جاء بدافع غير منظور من الحكومة التركية العثمانية والتي خلال هذه التجربة علمت مدى تأثير القيادات الدينية وحاولت التقرب منها إلا إنها ولأسباب عديدة أهمهما السبب الطائفي وتطرفهم اتجاهه وهو السبب الخفي إلا أنهم أعلنوا سببا أخر وهو اتهامهم للقيادة الدينية بكونها السبب في خسارة معركة الشعيبة وهي مغالطة فاضحة لان تخطيط المعركة والأشراف على سيرها كان من قبل القائد التركي ( سليمان العسكري ) والذي انتحر بعد خسارته للمعركة وهو دليل واضح على مسؤوليته المباشرة.
كما لابد من الإشارة إلى أن المدن الشيعية المقدسة قد حاولت جاهدة خلال حكم الاستعمار التركي العثماني مقاومته بشتى السبل والوسائط ومنها الثورات كما حصل في النجف عام 1915 والتي كان من نتائجها سيطرة الأهالي على حكم المدينة بأنفسهم وقد استمر هذا الحال حتى قيام ثورة النجف عام 1918 ضد الانكليز وكذلك أحداث كربلاء في نفس العام وأحداث العام الذي تلاه ولكن هذا كله لم يمنع أو يحول دون مساهمة أبناء الطائفة الشيعية في محاربة المحتل الانكليزي جنبا إلى جنب القوات العثمانية التركية وفي جميع المعارك التي حصلت إلى حين احتلال بغداد من قبل الجنرال الانكليزي مود في11 آذار من عام 1917 وهو اليوم الذي مثل تغيرا جديدا في المنطقة تمثل في تغيير الاستعمار التركي العثماني بالاستعمار البريطاني .
لقد اشرنا في سلسلة مقالات نشرناها على موقع ( كتابات ) تحت اسم { الطائفية – وجهة نظر أخرى} إلى بعض الأمور المتعلقة بحالة الطائفية المتأصلة في نفوس العراقيين سنة وشيعة على حد سواء ونقول هنا أن حالة التعصب للمذهب هو إحساس وشعور داخلي في الذات وهو كامن مادام لا يتقاطع مع الأخر من المذهب المغاير ولكن ما أن يحصل التقاطع لأي سبب كان يخرج الإحساس هذا من مكمنه الذاتي ويتحول إلى فعل خارجي يأخذ أشكال متعددة تعتمد على ذلك الفعل الذي أدى إلى التحول من القوة إلى الفعل الخارجي وهو بالضبط ما حصل نتيجة تفجير مرقد الإمامين العسكريين عليهما السلام في مدينة سامراء بواسطة عدد من الشواذ والمتعصبين من أهلها وهم موجودون فيها منذ زمن بعيد وبأمر من المحتل الأمريكي ولا يهم أن من قام بالفعل بيده سنيا متطرفا أو من التكفيريين أو من حثالة الناس من منتسبي الأجهزة القمعية وقيادات الجيش لنظام البعث البائد وهم من العرب السنة أيضا إلا أن الفعل تخطيطا وتوفير المواد المتفجرة ونوعها وطريقة زرعها وكل متعلقاتها الفنية هي أمريكية مضافا إلى أن أهم ما في كل عمل هو تحديد المستفيد منه وفي حالة هذا التفجير فإن المحتل الأمريكي هو المستفيد ماديا بينما استفاد المنفذون شيئا من أطلاق روح شريرة قذرة امتدت على بناء جامد ويمكننا الاستدلال على التعصب المذهبي الكامن إذا ما لاحظنا كل جرائم القتل للشيعة والتي حصلت في مثلث الموت كما سمته وسائط الإعلام وكانت قتلا على الهوية بامتياز ولكن ردة الفعل حتى من أصحاب الشأن أي أهل الدم بقيت كامنة إلا أن اعتداءا خطيرا كالذي حصل في فاجعة سامراء الأولى أدى إلى تحول ردة الفعل إلى أعمال خطيرة وجرائم فضيعة ارتكبها المتطرفون من الشيعة وهذا استدلال أخر إلى ما ذهبنا أليه في تحليلنا السابق ولكن ردة الفعل تلك تم السيطرة عليها من قبل القيادات الدينية الشيعية وقمعها قبل تحولها إلى الفعل الخارجي في فاجعة سامراء الثانية والتي كانت أمريكية بامتياز أيضا كون الفاجعتين تمثلان أهم ما في مشروع الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد وتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ لان امتدادات هاذين الفعلين الإجراميين ستظهر نتائجها في كل المنطقة حاليا ولاحقا كما في المشكلة اللبنانية والصراع الفلسطيني الداخلي والتي كلها نتائج الفعل القذر في احتلال العراق .
ليس ما ذهبنا أليه في الأعلى يمثل خروجا عن الموضوع ولكنه صلبه وحقيقته فإن ما تعرضت له ثورة العشرين الخالدة وتاريخها ورجالها والبحوث اللازمة عنها إلا لأنها طبخت في المطبخ الشيعي العربي العراقي فوجدتُ انه من المهم التنويه حول الروح الطائفية التي سنجدها تتجسد خلال أحداث هامة جدا تخص مجريات الثورة ونتائجها وحتى يومنا هذا في التعامل معها.
وبسبب المقاومة الحربية التي أبداها أبناء الفرات اعتبارا من مدينة الناصرية صعودا حتى مدينة الحلة وما حولها فقد تعامل المحتل البريطاني مع المنطقة ومدنها وقصاباتها وعشائرها بكثير من الحذر ومن هذا الحذر عدم تعيينه حكاما مدنيين للمدن واكتفى بوجود القواد العسكريين وقطعاتهم الحربية تخوفا من أي طارئ أو محذور يحصل وإذا أخذنا مدينة النجف عاصمة المقاومة كمثال نجد المحتل ترك المدينة على الحال الذي هي عليه بعد ثورتها على الأتراك ولكنه ومنذ منتصف عام 1917 بدأ بالتحرش بالمدينة فقام بتعيين حاكم سياسي وهو ( حميد خان ) وهو هندي الجنسية ينتمي إلى الطائفة الإسماعيلية ولكنه يسكن النجف وبعدها أوعز المحتل إلى احد أذنابه وهو ( فهد الهذال ) رئيس عشيرة عنزة وهي سنية المذهب للدخول إلى المدينة وافتعال مشاكل مع سكانها ، على إن الخطوة التي تعتبر استفزازا لمدينة النجف وعموم الشيعة في الجنوب والوسط هو إرسال وحدة عسكرية بريطانية إلى مدينة الكوفة وعلى اثر هذه الخطوة البريطانية صار موضوع مقاومة البريطانيين حديث أبناء النجف وزعمائها ورؤساء مناطقها الأربعة وعامة سكانها الذين أصبحوا متهيئين رهن أشارة القيادة الدينية .
تنامت روح الثورة في مدينة النجف وهي التي قادت بزعمائها الدينين مقاومة الاحتلال منذ البداية وقد تم استغلال كل السبل الممكنة للتهيئة للرد على جرائم المحتل ومنها تأسيس جمعيات من خلال المنتديات القائمة في المدينة مثل ندوة ( أل شهيب ) والتي كان يديرها ويلقي الخطب الحماسية فيها محمد رضا ومحمد باقر الشبيبي وغيرهم وكذلك ندوة أل الجزائري بإدارة جواد وعبد الكريم الجزائري حيث كان التوجه الجماهيري العام يدعو إلى الثورة واستخدام العنف في التعامل مع الانكليز ولكن انقسام موقف المرجعية الدينية بين معارض للعنف والذي تبناه السيد كاظم اليزدي وموقف الحسم الثوري الذي كان عليه المرزا محمد تقي الشيرازي الذي ترك سكناه ومدرسته في سامراء والتحق بالنجف أولا ومن ثم اتخذ كربلاء سكنا حيث كان لأهل النجف وخصوصا أصحاب وجماهير منتدياتها الأثر الكبير على قرار السيد الشيرازي ودعوته للالتحاق بهم لقيادة العمل الثوري المزمع القيام به بعدما كانت قيادة السيد اليزدي أثرت الانعزال وترك الخوض في المشروع السياسي برمته . ومما يجدر التأكيد عليه هنا هو دور (جمعية النهضة الإسلامية ) التي تأسست في مدينة النجف في شهر تشرين الثاني من عام 1917 بصورة سرية.
كل هذا يمكن اعتباره تهيئة وإعداد من قبل تلك القيادات لأجل القيام بعمل يتمكنوا من خلاله استعادة حقوقهم من المحتل يضاف أليه اللقاءات والاجتماعات التي تمت مع رؤساء القبائل والعشائر والوجهاء والزعماء في منطقة الفرات الأوسط خصوصا والمنطقة الجنوبية عموما فقد عقدت اجتماعات ولقاءات ضمت :-
1) السيد نور الياسري
2) الحاج محسن شلاش
3) السيد عبد المحسن الياسري
4) الشيخ محمد باقر الشبيبي
5) السيد عبد المحسن أبو طبيخ
6) الشيخ مرزوك العواد
7) الحاج عبد الحاج سكر
8) كاظم الحاج سكر
وغيرهم وكانت هذه الاجتماعات تعقد خارج النجف الاشرف مثل مدينة الديوانية أو المشخاب أو أبو صخير وغيرها وبصورة سرية تامة جدا وتقول المصادر المطلعة والتاريخية إنهم تداولوا في اجتماعاتهم تلك الأمور الآتية :-
أولا) فكرة الحرية والتحرر.
ثانيا) الاستقلال.
ثالثا) أحياء المجد العربي.
ونعود هنا للتأكيد على دور القيادات الدينية والعشائرية في التهيئة والأعداد للثورة في مدينة النجف الاشرف ومناطق الفرات الأوسط قبل اندلاعها بأكثر من عامين بحيث أن عيون وعملاء وأعوان المحتل كما الآن كانت تتربص وترفع تقاريرها أليهم .
وبإزاء الحالة المتوترة بين أهالي النجف الاشرف وحكومة المحتل البريطاني فقد انتهت هذه الحالة إلى قيام ثورة النجف في عام 1918 عندما اقتحم الثوار مقر الحكومة وقتلوا الحاكم السياسي بتاريخ 19 آذار 1918 وما تبعه من رد سلطة المحتل الذي تميز بأقسى ما تمكنوا منه حيث بدءوا بمحاصرة المدينة حصارا جائرا فتك بأهلها مما حدا بقيادة الثورة للاذعان إلى شروط المحتل بالرغم من تعسفها وقسوتها.
في الثلاثين من شهر تشرين الثاني 1918 قرر المحتل القيام باستفتاء لكافة أبناء الولايات العثمانية الثلاث بغداد والبصرة والموصل وتضمن الإجابة على الأسئلة التالية:
1- هل ترغبون بحكومة عربية مستقلة تحت الوصاية البريطانية ؟
2- هل ترغبون في أن يرأس هذه الحكومة أمير عربي؟
3- من هو الأمير الذي تختارونه؟
وقد كان هذا الاستفتاء القشة التي قصمت ظهر البعير فلم تتمكن سلطات الاحتلال من أجراءه في النجف وكربلاء والكاظمية بالصورة التي يريدونها وخصوصا في كربلاء المقدسة والتي مثلت بعد فشل ثورة النجف رأس الحربة في المقاومة والأعداد للعمل القادم ضد المحتلين وكذلك لوجود المرزا الشيرازي فيها ولقيام ولده محمد رضا بتأسيس جمعية اسماها ( الجمعية الإسلامية ) والتي كان من أعضائها قادة عظام أمثال السيد هبة الدين الشهرستاني والسيد حسين القزويني وعبد الوهاب الوهاب وعبد الكريم العواد وعمر وعثمان العلوان ومحمد أبو الحب وغيرهم من علماء وزعماء ورؤساء ووجهاء القوم كما إن آخرين قاموا بتأسيس ( الجمعية الوطنية الإسلامية ) حيث كان لهاتين الجمعيتين الدور الكبير في تعبئة الناس وخصوصا بالضد من الاستفتاء ولكن المحتل وعن طريق حاكمه السياسي في كربلاء الذي دعا عددا من العلماء والزعماء والوجهاء والرؤساء لمناقشتهم حول الاستفتاء وقد طلبوا منه فترة ثلاثة أيام لتدارس الموضوع مع الناس والعودة إلية ولكنهم عقدوا اجتماعا في دار المرزا الشيرازي وبعدما تدارسوا الموضوع وتداولوا فيه بحضور المرزا الشيرازي حصلت عنده قناعة تامة في إصدار فتواه الشهيرة والتي تعتبر مع فتوى السيد محسن الحكيم بعده بخصوص الشيوعية أعظم واجل الفتاوى التي صدرت عن القيادات الدينية الشيعية في مرحلتين كانت مفصليتين في حياة المسلمين جميعا والشيعة خصوصا أحداهما مرحلة الاحتلال العسكري للمناطق الإسلامية والثانية دمرت مرتكزات الغزو الشيوعي الفكري للعالم الإسلامي للتوجه بهم نحو ركب الإلحاد ، وقد نصت فتوى الشيرازي على { ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب أو يختار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين } وكان ذلك بتاريخ 23 كانون الثاني 1919.
أذن صدر قرار الفقهاء وظهر للعلن رأي القيادة الدينية بموضوعة الاستفتاء سلبيا وقد أحدثت تلك الفتوى أثرا عميقا وشديدا في قلوب الناس وهي بذات المعنى رفض مطلق للمحتل وصنائعه وللاحتلال بشكلياته العامة وهو ما يجب الوقوف عنده لأنه مثل القرار القيادي للقيام بالثورة حسبما جرى تحليلنا للحالة الاجتماعية والدينية والولائية ضمن أبناء المذهب الشيعي وقيادته الدينية.
كان رد فعل المحتل على الفتوى تعسفيا إذ تم اعتقال عددا من الرموز التي ذكرناها سابقا مثل عمر العلوان وعبد الكريم العواد ومحمد علي أبو الحب وغيرهم مما أثار حفيظة المرزا الشيرازي والذي أرسل رسالة منه مستعجلة إلى المندوب السامي ولسون أوضح فيها من الوصف والتحليل حول عملية اعتقال هؤلاء وان الاعتقال حصل بدون ذنب ويُستشف منه ضرب الحركة الوطنية ولكن رد المحتل كان تعسفيا بأشد منه عندما أقدم على اعتقال السيد محمد رضا نجل المرزا الشيرازي مما حدا بالمرزا إلى تهديد المحتل بأنه سيهاجر إلى إيران وسيبدأ بمقاومتهم من هناك وذلك بإعلان الجهاد وعندها شعر البريطانيون بحراجة موقفهم فأطلقوا سراح المعتقلين وقاموا باستبدال الحاكم السياسي في كربلاء بالميرزا محمد خان وهو من أصل أيراني وغير ذلك من الإجراءات الإدارية.
كثير من الباحثين والمؤرخين وجدوا في شخصية المرزا الشيرازي قائدا للثورة ومفجرا لها وفي الواقع نجد أن هذا الرأي والتحليل يمتلك من الواقعية والمصداقية الموضوعية الكثير وخصوصا أننا أجرينا تحليلا في السابق للشخصية الشيعية وارتباطها بقيادتها الدينية .
وبالفعل جاءت الإرادة الإلهية لتعزز موقع قيادة المرزا الشيرازي إذ توفي السيد كاظم اليزدي في 30 نيسان 1919 لتؤل الزعامة الدينية ( المرجعية ) إلى المرزا حتى أنها التحقت به جغرافيا من النجف الاشرف إلى كربلاء المقدسة ولكن هذه الإرادة شاءت أيضا بان يتوفى المرزا الشيرازي في 17 أب 1920 ولما لم تصفو صافية الأحداث والثورة العظيمة تلك وتؤل القيادة إلى ( شيخ الشريعة الأصفهاني الذي اصدر نعيا منه للمرزا قال فيه (أما بعد فأنا نعزيكم وكافة الموحدين بفقيد عميد المسلمين آية الله العظمى الميرزا قدس الله نفسه المقدسة.. فلا تكن رحلته فتوراً في عزائمكم وتوانياً في عملكم ، الجد الجد يا حماة الدين واعضاد المسلمين والنشاط النشاط وزيدوا على ما كنتم عليه أولاً من الدفاع الذي أوجبنا عليكم من قبل، واصبروا وصابروا يثبت الله أقدامكم وينصركم على القوم الكافرين ) وفي هذا النعي ما فيه من التأكيد على الثبات على خط الثورة ومناجزة المحتل الغاشم .
لقد حاول المستعمر استغلال وفاة المرزا فحاول البدء بالمفاوضات مع خليفته وأرسل رسالة إلى شيخ الشريعة وقام المحتل بنشرها بواسطة الصحف اليومية وقامت طائراته بإلقاء النسخ منها على المقاتلين في مواقعهم الأمامية بغية التأثير على معنوياتهم واندفاعهم ولكن رد شيخ الشريعة كان سلبيا جدا ورافضا بالمطلق هذه المفاوضات قبل تحقيق مطالب العراقيين بالاستقلال وقيام حكومتهم الوطنية.
بسردنا السابق هذا أردنا تتبع حركة القيادة الدينية ومواقفها وقراراتها التي أدت إلى تهيئة الظروف الموضوعية والذاتية عند سكان الفرات الأوسط خصوصا وباقي مناطق تواجد القبائل والعشائر الشيعية للقيام بالثورة في وجه المحتل الغاشم البريطاني والذي انتهى إلى الفتوى التي صدرت من المرزا الشيرازي بخصوص الاستفتاء البريطاني وعند تحليلها نجدها تؤكد على :-
1) رفض الاحتلال بشكله العام من خلال عبارته ( تحت الوصاية ).
2) مباركة المشروع الوطني للحكم.
3) رفض كل أشكال الخضوع والخنوع لمشروع الاحتلال وإجراءاته.
وهذا القرار الصادر من أعلى قيادة دينية شيعية يعتبر أعلانا للثورة منذ تلك اللحظة ولكنها انتظرت في اندلاعها حصول السبب المباشر لكي تنطلق ثورة شعبية شيعية وطنية عربية بامتياز.
ولأجل استبيان الدور العشائري هذا فإننا سنقوم بذكر وقائع الثورة ومعاركها المهمة وبشكل مقتضب جدا حتى نقف على ذلك الدور حيث إننا وصلنا ألان إلى أن ظروف اندلاع الثورة أصبحت مهيأة وكما اشرنا فإنها تنتظر السبب المباشر لذلك وقد وجدت أن أبين ملابسات الحدث بشكل من التوضيح لأهميته للبحث هذا إذ تفيدنا المصادر التاريخية إلى أن رؤساء قبائل وعشائر منطقة الفرات الأوسط قد عملوا خلال الفترة التي سبقت إعلان الثورة على تحريض الناس كافة في المدن والقرى من اجل القيام بالثورة على المحتل والحصول على الاستقلال التام والناجز تمشيا مع أوامر القيادة الدينية واتساقا مع قرارات الاجتماعات التي عقدت خارج النجف الاشرف بين الرؤساء والزعماء القبليين والمتصدين للعمل الوطني من أهالي المدينة وقد اشرنا إلى أسماء عدد منهم سابقا.
لكل محتل ولكل حاكم ولكل ظالم عيون وجواسيس يتربصون بالناس وخصوصا عندما يجد المحتل نفسه وسط رفض شعبي قاطع يستمد قوته وعنفوانه من قيادات دينية مستعدة للتضحية بنفسها وقد فعلت ذلك وخرجت لتقود المعارك معه ولهذا فقد وصلت إلى أسماع الحاكم السياسي في الديوانية ( دللي ) أخبار تحرك الرؤساء والزعماء في منطقة السماوة عموما والرميثة خصوصا فبادر لإرسال أمر إلى حاكم الرميثة السياسي ( اللفتنانت هيات ) يطلب فيه إرسال رؤساء ووجهاء الرميثة أليه لكي ينتقم منهم ويحول دون مساعيهم الوطنية وفعلا أرسل حاكم الرميثة أليهم من يبلغهم بذلك.
اتفق هؤلاء القادة على أن يرسلوا ممثلا عنهم إلى حاكم الرميثة واختاروا الشيخ ( شعلان أبو الجون ) الذي تبرع ذاتيا بالذهاب نيابة عنهم لاستجلاء الموقف ويبقى الآخرون بانتظار النتائج حتى يتمكنوا من العمل أذا تطلب ذلك على أن يصاحبه شخص يمكنه نقل الصورة ويبلغهم برسالة الشيخ شعلان التي تم الاتفاق عليها وهي انه في حالة سجنه من قبل المحتل فانه سيخبر هذا الشخص بان يبلغ أهل الشيخ بالعبارة الآتية والتي أعطت نفس المغزى مهما اختلفت صياغتها وهي { دزولي ( بمعنى أرسلوا لي ) عشر ليرات مصاغ ( أي من الذهب الخالص) } وهذا المعنى الظاهري للعبارة ولكنها بالاتفاق تعني إرسال رجال قادرين على إخراج الشيخ من سجنه.
في صبيحة يوم 30 حزيران 1920 حضر الشيخ شعلان أبو الجون عند الحاكم البريطاني والذي استقبل هذا الشيخ العربي الأصيل بعبارات لا تليق به موبخا إياه وهذا ما لا يمكن أن يتقبله الشيخ الغيور والذي رد هذا الجلف الحقير على عباراته تلك ، لا بل إن الشيخ هدد البريطاني بان نتائج سياستهم هذه مع العراقيين ستجر بريطانيا إلى نتائج لا تحمد عقباها لان العراق ليس هندستان والعراقيين ليسوا كالهنود مما أثار غضب المحتل الذي لم يجد سوى أن يأمر احد جنوده بإلقاء الشيخ في السجن بانتظار وصول القطار حتى يتم تسفيره إلى الديوانية ولكن الشيخ نفذ مع رفيقه الاتفاق وفعلا تم إرسال عشرة أبطال لبسوا قلوبهم على أبدانهم عصر اليوم المذكور فقاموا بالهجوم على السراي وقتلوا جنديين اثنين وأفرجوا بأنفسهم عن الشيخ أبو الجون وخرجوا إلى المدينة حاملين الشيخ ويرددون الاهزوجات العربية ( الهوسات ) وكانت أول هوسه لهم تقول (حل فرض الخامس كوموله)..أي وجب الجهاد وهو الفرض الخامس من فروض الدين .
سارعت القبائل والعشائر العربية في المنطقة للهجوم على سكة القطار وقلعوا قضبانها لمسافات طويلة منعا لوصول المؤن والتعزيزات إلى الحامية البريطانية في حالة قيام المحتل بالرد على تلك الحادثة وهو فعلا ما حصل عندما تبلغ حاكم الديوانية البريطاني بأخبار تلك الأحداث في صبيحة الأول من تموز من عام 1920 وان الثوار قلعوا قضبان السكة الحديدية ودمروا عددا من الجسور والقناطر وأنهم يحاصرون القطار الصاعد ( مصطلح متعارف عليه عن حركة قطار بغداد – بصرة فالمتجه من بغداد يسمى نازل وبالعكس يسمى صاعد ).
إذن بدأت الثورة عصر يوم 30 حزيران 1920 في مدينة الرميثة من حواضر منطقة الفرات الأوسط الشيعي المذهب وبشكلها الذي وصفناه آنفا بالاعتماد على مصادر تاريخية مكتوبة وسماع روايات من أناس كانوا بالقرب من الأحداث تلك ورموزها ، وما هوية هذه البداية إلا ثورة عربية شعبية شيعية وطنية بامتياز في مرحلة التحضير لها وفي ولادتها الموضوعية والواقعية.
وإذا تتبعنا سير المعارك سنجد أن الثوار في منطقة الرميثة استمروا بمعاركهم مع الانكليز وقد باشروا اعتبارا من 4 تموز 1920 بحفر الخنادق القتالية وضربوا حصارا شديدا على حامية الرميثة وهاجموا كل الإمدادات التي أرسلت أليها ومهاجمة كافة القطعات التي جاءت لفك الحصار عنها وأوقعوا بالبريطانيين خسائر كبيرة بينما كانت خسائر الثوار طفيفة.
بلغ عدد الثوار أكثر من 5000 مقاتل وتحصنوا في منطقة العارضيات ( وهي عبارة عن أربعة جداول متوازية ) وقد أبلى ( بنو عارض ) بلاء شديدا على البريطانيين أثناء المعركة التي جرت بينهما والتي حملت اسم ( معركة العارضيات ) وقد تكبد العدو 125 قتيل بين جندي وضابط وقد سبقوا المعركة بقطع السكة الحديدية من جهة الديوانية ومن الجهة المقابلة جهة السماوة لمنع وصول الإمدادات .
بعد هذه المعركة الخالدة انضمت إلى الثوار قبائل وعشائر { أل فتلة وأل إبراهيم و الغزالات وجماعة سيد هادي زوين } وضمن خطة عسكرية تقدم الثوار نحو أعالي الفرات باتجاه الحلة بعدما انقسموا إلى شطرين سارا بالتوازي على جانبي النهر والتحم القسم الذي اتخذ الجانب الأيمن من النهر في معركة شرسة في منطقة أبي صخير وتم محاصرة حاميتها وقطع طرق الإمداد عنها حتى الماء بالرغم من تدخل نيران الباخرة ( فاير فلاي ).
والى هذه المرحلة فقد سيطر الثوار على الشامية وأبي صخير والجعارة والديوانية والرميثة والسماوة سيطرة تامة ولما شعرت قيادة المحتل بالخطر عليها فقد أمرت ممثليها في كربلاء والنجف بالأخلاء وكذلك أصبحت الكوفة بأيدي الثوار بالرغم من وجود الحامية فيها لأنها كانت محاصرة حصارا شديدا وفي 20 تموز استطاع الثوار احتلال مدينة الكفل بعدما هرب موظفو الحكومة منها.
بعد هذه الانتصارات قررت قيادة الثورة التقدم نحو مدينة الحلة والتي قام المحتل بتجميع قطعاته واستعراضها أمام المواطنين في يوم 23 تموز 1920 بقصد إثارة الرعب والخوف في قلوب الناس وقد استعدت القوات البريطانية أفضل استعدادها ولكنهم وفي يوم 24 تموز 1924 وعندما كان جنودهم يحفرون الخنادق وإذا بقوة استطلاعهم المتقدمة تخبرهم بزحف الثوار عليهم وبعدد يتراوح بين 2500 إلى 3000 مقاتل مما أثار رعبا هائلا بين الجنود وقد قامت عشيرة ( العوابد ) بعملية التفاف على القوات البريطانية .
في مساء ذلك اليوم الخالد في تاريخنا ولما حل الظلام على منطقة ( الرارنجية ) وهي منطقة زراعية تقع على مسافة 18 كم من الحلة و 12 كم من الكفل هاجم الثوار البريطانيين من جميع الجهات بعد نجاح عملية الالتفاف واستطاعوا قتل وجرح واسر ( 800 ) من الضباط والجنود البريطانيين وغنموا مدفعا عيار 18 رطلا وهو الذي استخدمه الثوار في قصف ( فاير فلاي ) وإغراقها في شط الكوفة كما غنموا بنادق ورشاشات وذخيرة بكميات كبيرة .
صار الطريق إلى الحلة مفتوحا أمام زحف الثوار وبالفعل توجه الثوار أليها ووصلوا إلى نهر (الطهمازيه) الذي يبعد عن المدينة 5 كم غربا فسارعت القبائل والعشائر المحيطة بالمدينة ( الجبور والبوسلطان و خفاجة وطفيل وأل يسار وأل فتلة ) وغيرهم إلى مهاجمة المدينة لغرض معرفة رد فعل القوة البريطانية فيها إذا ما هاجموها ولليلتين متتاليتين 27 و 28 تموز 1920 ولكن الرد البريطاني كان قويا وعنيفا ، وفي نفس الوقت قامت قبائل بني حسن بالثورة في منطقة ( طويريج) والسيطرة عليها بدون قتال و اتجهوا بعدها إلى سدة الهندية فاستولوا عليها بدون مقاومة أيضا.
بعدما تفرغت عشائر ( بني حجيم ) من معاركها في الرميثة والديوانية وقيام البريطانيين باخلاءهما عادت العشائر صوب مدينة السماوة والتي جمع المحتل فيها قطعات عسكرية ومعدات وتجهيزات كبيرة اعتبارا من 2 تموز 1920فقد قام بإرسال قطار يحمل المؤن من البصرة ولكن الثوار هاجموه واخرجوا عرباته عن السكة مما أدى إلى تأخر وصوله حتى 8 تموز 1920 في الوقت الذي كانت قواتهم بأمس الحاجة إلى تلك المؤن وقد ركز الثوار بشكل خاص على خط السكة الحديدية وخصوصا قرب مدينة (الخضر ) واستطاعوا ألحاق الضرر الكبير بالسكة وقلع مسافات طويلة من قضبانها حتى إن البريطانيين تيقنوا من عدم أمكانية أعادة سيطرتهم على الخط وبذلك أصبح الخط كله تحت سيطرة الثوار وتم قطع خطوط المواصلات بين الناصرية والسماوة واستمر الثوار بمهاجمة الدعم اللوجستي الذي ترسله القيادة البريطانية من الناصرية واستطاعوا الاستيلاء على قطار أخر وسلب ما فيه والحقوا به أضرارا كبيرة وحينها صدرت الأوامر إلى حامية الخضر بالانسحاب منها باتجاه الناصرية وفعلا انسحبوا ونيران الثوار وهجماتهم تصليهم نيرانا حامية وتفتك بهم وتدمر معداتهم ، وبعد أن استولى الثوار على حامية الخضر وغنموا فيها مدفعين استخدمهما الثوار في قصف القوة البريطانية المتواجدة في محطة قطار السماوة وأما المدفع الثاني فقد استعمله الثوار في قصف القوة البريطانية المحصورة في منطقة ( البربوتي ) وهي تقع شمال مدينة السماوة بمسافة ثلاثة كيلومترات وأوقعوا أفدح الخسائر فيهما.
تعهدت قبيلة ( بني حسن ) بمحاصرة حامية الكوفة وفعلا أبلت هذه القبيلة أفضل البلاء في تشديد الحصار على الحامية فقد استعملوا كل الأساليب الممكنة لإجبار الحامية على الاستسلام مثل هدم البيوت وحفر الخنادق وثقب الجدران للوصول إلى الحامية وبالفعل استطاعوا أحكام حصارهم عليها بحيث انه لولا الطائرات التي قامت بإلقاء المؤن الغذائية والعقاقير الطبية على الحامية من الجو لهلك كلهم من الجوع والمرض ، ولقد كان دور الباخرة ( فاير فلاي ) شديد القسوة على الثوار لان قصفها المستمر عليهم حال بينهم وبين إتمام الهجوم على الحامية والسيطرة عليها وهي مزودة بمدفعين وستة عشر رشاشا وقد استطاع الثوار إغراقها يوم 17 أب 1920 باستعمالهم للمدفع الذي غنموه من معركة الرارنجية حيث لجأ طاقمها إلى الحامية المحاصرة..
بعد هذا استخدم العدو طيرانه بشكل مكثف وعشوائي ولم يراعي في قصفه أية معايير حتى انه قصف مسجد الكوفة ودمر جزء منه وقتل نتيجة هذا القصف عشرون ناسكا في محاريبهم .
في شهر أب 1920 بدأت قبائل العزة وغيرها من عشائر منطقة ديالى بالعمل العسكري وقاموا بتخريب خط السكة الحديدية وقطعوا بذلك المواصلات البريطانية بين العراق وإيران ونتيجة لذلك هرب الحاكم البريطاني من مدينة بعقوبة فاستولى عليها الأهالي وعينوا شخصا منهم حاكما عليها ولكن قرب المدينة من بغداد أمكن الانكليز من تجهيز قوتين لمهاجمتها واستطاع الثوار قطع المواصلات مما أدى إلى تأخير وصول القوتين.
وقد اتجه الثوار صوب مدينة السعدية فاحتلوها وقد عاود البريطانيون إرسال القوتين من بغداد يوم 10 أب 1920 وقد هاجمهما الثوار في 12 أب 1920 هجوما عنيفا أثار الرعب في صفوفها ولكنها استعادت رشدها وباشرت مدفعيتها بقصف القرى ودور الأهالي حتى إنهم احرقوا قرى كاملة .
في 9 أيلول 1920 استطاع البريطانيون استعادة مدينة شهربان من أيدي الثوار واتجهوا صوب مدينة الخالص فاحتلوها واعملوا في أهلها اشد أصناف الحقد والتعسف ومن ثم توجهوا نحو مدينة السعدية واستطاعوا احتلالها بمقاومة طفيفة في يوم 28 أيلول 1920 وبذلك انتهت حركات الثورة في منطقة ديالى.
يمكن أن يقال أن الثورة اندلعت في منطقة كفري حيث قامت عشائر الدلو وقسم من عشيرة الجاف بالصعود إلى جبل ( بابا شهوار ) الذي يطل على مدينة كفري وبدءوا بإطلاق الرصاص الكثيف على سراي الحكومة ولما حاول القائد البريطاني الصعود أليهم استطاعوا إيقافه واستغل قسم أخر من الثوار صعود القائد مع مجموعة من جيشه فهاجموا السراي ونهبوا محتوياتها وقاموا بقتل القائد بتاريخ 26 أب 1920 .
أما في كركوك فقد تشكلت جمعية سرية تعمل من اجل أعادة حكم الأتراك واتصلت مع بقية الثوار في المناطق الأخرى وقام رؤساء القبائل بانتخاب الشيخ ( قادر الباه منصور الطالباني ) معتمدا لهم ولما حصلت العمليات الثورية في كفري سارع هؤلاء إلى قطع طرق المواصلات تجاوبا مع ثوار كفري وتقليل الضغط عليهم ولكن البريطانيين هاجموا قرية الشيخ الطالباني بالطائرات وأمعنوا في قصفها مما أدى إلى قتل اغلب أبناءها وهلاك مواشيهم وبعدها هاجموا القرية بالمشاة وهرب الشيخ وبقي متخفيا حتى صدور العفو العام في 30 أيار 1921 أما أعضاء الجمعية فقد ألقت سلطات الاحتلال القبض عليهم وهرب من استطاع إلى ذلك سبيلا.
لم تشارك عشائر لواء الدليم بالثورة إلا بعد أن قام القائد البريطاني المدعو ( لجمن ) باستدعاء شيخ عشيرة ( زوبع ) الشيخ ( ضاري المحمود ) لوصول بعض الإخباريات أليه حول وجود علاقات بين الشيخ والثوار في منطقة الفرات الأوسط ونتيجة الحوار بينهما قام القائد المحتل باهانة الشيخ والذي لم تحتمل كرامته العربية هذا التصرف ولكنه كان مجردا من سلاحه ولا حول له ولا قوة في تلك اللحظة فقد حانت منه التفاتة إلى سيف معلق في الغرفة وقد كان لجمن يتحدث أليه وهو يسير في الغرفة ولم يكن جالسا فانبرى الشيخ ضاري إلى السيف المعلق وضرب به القائد وقتله في الحال وذلك يوم الخميس 12 أب 1920 وقد التجأ الشيخ مع أولاده وأبناء عمومته إلى عشيرة المحامدة في منطقة الصقلاوية وبدأ بمراسلة الثوار في كربلاء وعلى اثر سماع عشائر الدليم بالحادثة هذه فقد عم الهياج فيها في كل مناطق لواء الدليم ابتدءا من منطقة خان ضاري حاليا وحتى عانة فقاموا بقطع خطوط المواصلات ومهاجمة قوافل التموين العائدة للبريطانيين وبعد هذا انتقل الشيخ ضاري إلى منطقة ( خان العطيشي ) بين كربلاء والمسيب واتخذه مقرا له ولما انتهت الثورة بالفشل هرب إلى سوريا وبقي متخفيا لعدم شموله بالعفو البريطاني الصادر في 30 أيار 1920 وفي احد أيام خريف 1927 استأجر الشيخ سيارة للتوجه إلى مدينة حلب ولكن السائق الارمني ( ميكائيل كريم ) قام بتسليمه إلى السلطة في مدينة سنجار وقامت الحكومة بإحالته إلى المحكمة التي خففت حكم الإعدام الصادر بحقه إلى المؤبد وتم إيداعه السجن إلا انه توفي في 1 شباط 1928 ولم تمضي عليه إلا أياما معدودة في السجن .
في منطقة قلعة سكر قامت مجموعة من الثوار فيها بإطلاق النار على الحاكم البريطاني ولكنهم لم يتمكنوا من قتله مما دعاه إلى استدعاء الطائرات لقصف المدينة لإرهاب أهلها وتخويفهم ونظرا لسير المعارك في الجبهات الأخرى وخطورة الموقف فقد تم استدعاء الحاكم للالتحاق بالناصرية وقد استغل الثوار هذا الموقف وقاموا باحتلال القلعة التي استخدمها البريطانيون كسراي لحكومتهم وجردوا الحرس من سلاحه ، ومن ثم اجتمع الرؤساء والزعماء في منطقة ( المصيفي ) وكتبوا بينهم ميثاقا تضمن النقاط الآتية :-
1- المطالبة بالاستقلال التام للعراق.
2- ضرورة المحافظة على المستشفيات والجسور وكل ما فيه منفعة عامة للناس.
3- أتباع وتنفيذ أوامر المرجعيات الدينية .
4- قيام القبائل والعشائر بحفظ الأمن على الطرق التي تقع ضمن مناطق سيطرتهم وضمان حرية الانتقال بأمان عليها.
5- تشكيل هيئات محلية في كل مدينة أو بلدة يحررها الثوار للقيام بحفظ الأمن وتقديم الخدمات للمواطنين.
وهكذا جرت أمور الثورة والثوار في المناطق الأخرى ففي مدينة ( سوق الشيوخ ) بادرت العشائر والقبائل حال وصول أخبار الثورة في الرميثة إلى مهاجمة الحامية البريطانية مما أدى إلى فرار الحكومة المحتلة وأعوانها إلى الناصرية وقام الثوار بتشكيل هيئة لإدارة المدينة وبعدها قاموا بإرسال أفواج المجاهدين من أبناء المدينة والقبائل والعشائر المحيطة بها إلى جبهة الناصرية حيث ساهموا مع أخوانهم الآخرين بتشديد الحصار على حاميتها.
أما في مدينة الشطرة وبعد وصول ممثل القيادة الدينية من النجف وهو ( الشيخ محمد الشيخ حبيب الله) والذي جاء حاملا راية خضراء لأجل استنهاض همم القبائل والعشائر القاطنة على نهر الغراف وقد تجمع حوله عدد من أبناء عشيرة خفاجة وأل ازيرج وأهل الشطرة وقبيلة السعيد وبني زيد وبني ركاب والحجام وتوجهوا إلى الناصرية ليكونوا مع أخوانهم الذين يحاصروا الحامية.
لم تشارك القبائل والعشائر القاطنة في حوض نهر دجلة في الثورة لأسباب اختلف المؤرخون والباحثون فيها ولكنني ومن خلال معلومة مهمة عن أمير قبائل ربيعة والذي وصلت أليه رسائل من زملائه في الفرات تدعوه للثورة معها إلا انه أعلن عدم مشاركته هو بنفسه لعدم توفر الإمكانيات المادية لديه لمقاومة البريطانيين وخوفه من ردة فعلهم الغير إنسانية ولكنه لم يمنع الآخرين والذين وجدوا في رأي الأمير عذرا نافعا لهم وبهذا لم يشاركوا بالثورة وكان عدم مشاركتهم هذه من أهم أسباب فشل الثورة.
لابد من تحليل موقف مدينة بغداد من الثورة حيث إن هذه العاصمة تميزت بكون حالة سكانها الاجتماعية تمثل خليطا غير متجانس من عرب وأصول أعجمية فارسية وتركية ومن جورجيا والألبان وهنود وباكستانيين ومن أبناء دول أسيا الوسطى ومن كل أصقاع الأرض منهم من اندمج مع المجتمع فضاع أصله ومنهم من احتفظ بلقبه ونسبه واصله مضافا إلى تواجد السفارات والقنصليات الأجنبية وقيام علاقات بين عدد كبير من زعمائها وأعيانها مع هذه الممثليات الدبلوماسية ولكونها مركز عاصمة ولاية بغداد في زمن الاحتلال العثماني وتمثل الولاية الحقيقية الأولى في حين تعتبر ولايتي البصرة والموصل بالنسبة لها في نظر العثمانيين ثانوية وغير ذلك من الأسباب التي تأخذ الباحث إلى أفاق أخرى تبتعد قليلا أو كثيرا عما وجدناه في المناطق الأخرى كما أن الوعي السياسي والاجتماعي والاقتصادي فيها يختلف كليا عن باقي المناطق الأخرى لتوفر فرص تعليم وان تكن بدائية وكذلك الاختلاط مع الوافدين والخروج للتبضع والتجارة من دول الجوار أو ما هو ابعد منها ووجود المقاهي ومجالس السمر التي يتداول روادها كل الأمور حتى القصص بواسطة ما يسمى في وقته بـــ ( القصخون ) والذي يقص على الحاضرين قصص مثل أبو زيد الهلالي وبطولات عنترة بن شداد وغيرها مما تعطي شيئا من الثقافة للمتلقين.
من البديهي أن سكان بغداد بتشكيلتهم الاجتماعية واهتماماتهم الاقتصادية وتطلعاتهم السياسية بسبب القرب من مصدر القرار الأول لا يمكن أن يكون تحركهم مع الثورة أو بالضد منها ذا أثر موضوعي كبير على مستوى العمليات الحربية التي حصلت أثناءها ولكن تحركهم السياسي أثقل الثورة وحركتها وكان من أهم أسباب فشل الثورة هو الانقسام الخطير عند سكان بغداد وتفاعل كثير من شخصياتها الدينية والمناطقية والتجارية مع المشروع البريطاني وقد يكون موقف المفتي ( عبد الرحمن الكيلاني النقيب ) الذي رسمته ( مس بيل ) وغيرها من البريطانيين وما حصل فعلا بعد تمكن المحتل من القضاء على الثورة وتسلم النقيب وأمثاله للحكم والسيادة على البلاد والعباد وبالمقابل فقد تولى عدد من التجار قيادة التحرك الوطني مثل جعفر أبو التمن وللمدرسة الأهلية بقيادة علي البزركان دورها الذي يفتخر به الوطنيون على مدى الأجيال.
لقد كان ولسن يرى في بغداد أنها مصدر الفتن والدسائس وبديهيا فان هذا القائد والحاكم البريطاني لم تحصل عنده مثل القناعة إلا نتيجة منطقية لما عاصره وعاشه وشاهده من خلال علاقاته مع الذين هم بالقرب منه وعلى هذه القناعة عنده فقد قام بتأجيل الاستفتاء فيها لحين معرفة رأي المناطق الأخرى وهذه شهادة مهمة جدا لمن يبحث في ثورة العشرين الخالدة.
وإذا نجد أن مس بيل ترى أن العراقيين اتحدوا على موضوع ضم ولاية الموصل إلى ولايتي بغداد والبصرة فإن هذا لأسبابه الطائفية القذرة عندما صار البعض يريد ضم الموصل للولايتين لأسباب وطنية بحتة وأما الآخرون فإنهم كانوا يحسبون للتوازن الطائفي حسابا دقيقا وهذا الحساب هو الذي جعل ( طه الهاشمي ) يفرط بمنطقة عربستان ويسلمها إلى إيران مقابل أن تكون ولاية الموصل تابعة للعراق في حين أن الموصل لو لم تكن للعراق فستتبع سوريا بينما عربستان ذهبت إلى إيران.
من خلال مسارنا في بحث مسيرة الثورة لم نجد معارضتا لها ولو بالصورة العلنية على فرض وجود مثل هذه المعارضة داخليا ، ولكن في بغداد كانت المعارضة للثورة والتهجم عليها وعلى قادتها وثوارها قد حصل بصورة علنية خطابية على الجماهير وكما كانت حال الشاعر ( محمد صدقي الزهاوي ) والذي ساق معارضته بقصائد يتهجم فيها على الثورة وأبناءها ويطالب المحتل بضربها وثوارها والقضاء عليهم لان عملهم كان مفسدة وتخريب فهذا مطلع قصيدته التي استقبل بها عودة بيرسي كوكس :-
عد للعراق وأصلح منه ما فسدا وأبثث به العدل وامنح أهله الرغدا!!
الشعب فيه عليك اليوم معتمـد فيما يكون كما قد كان معتمــدا
كذلك كان موقف الشاعر علي الشرقي الذي كان يريد من ثورة العشرين أن تكون ثورة وحركة قومية عامة ولا تقتصر على افقها الوطني العراقي .
ولكن موقف السيد عبد الرحمن الكيلاني النقيب وهو يمثل صفة دينية ومرجعية لأهل السنة والجماعة وخصوصا في بغداد وضواحيها أسوء الأثر بسبب أسوء تصرف ومعارضة تواجهها الثورة ممن هو بمنزلته إذ انه ناصر البريطانيين ودعاهم للقضاء على الثورة وتحدث على الثوار بالشتائم كما تصف لنا ذلك ( مس بيل ) فتقول { أن الذين اشتركوا معنا في الدراما سوف لا ينسون العضد والمؤازرة لنا من النقيب}
وتقول لاحقا وهي تشير إلى حديث النقيب عندما ذهبت لزيارته { أن نستظل بظل الحكومة البريطانية لأن البريطانيين في العالم أجمع بالعدل والإنصاف... خاتون هناك ألف ومائة رجل في انكلترا بوسعهم أن يشغلوا منصب السفارة *في إيران لكن ليس هناك من يليق للعراق سوى السر بيرسي كوكس فهو معروف ومحبوب وموضع ثقة أهالي العراق كما أنه رجل حنكته السنون .. وأني أشهد الله أن السر بيرسي كوكس لو كان موجوداً في بغداد لكان في غنى عن حماقة استفتاء الناس عن رأيهم في المدينة بعد وأنت تعلمين أني لم اشترك فيما جرى وقد منعت أفراد أسرتي عن التدخل في مالا يعنيهم من هذه الأمور... كان الكثير من الناس جاؤوا ألي طالبين مشورتي في هذا الآمر فأجبتهم أن الانكليز فتحوا هذه البلاد وبذلوا ثروتهم من اجلها كما أراقوا دماءهم في تربتها حيث أن دماء الانكليز والاستراليين والكنديين ومسلمي الهند وعبدة الأصنام قد خضبت تراب العراق ولذلك فلابد لهم من التمتع بما فازوا به.. أنت ذاهبة إلى لندن وسوف تواجهين العظماء وتتحدثين أليهم فقولي لهم ذلك ليعد السر بيرسي كوكس إلى العراق..)). } وبعد تضيف ( مس بيل ) نقلا عنه أيضا قوله { أن معظم أولئك الذين تكلموا ضدكم هم رجال لا سمعة لهم ولا شرف فـ.....* ليس له إلا شيء طفيف من الاعتبار، وفضلاً عن ذلك فانه مجنون ومن سمع بـ... أن لا يمت الى أشراف البلد بصلة.. }.
وكذلك كان موقف السيد طالب النقيب والذي استدعته سلطة الاحتلال من البصرة إلى بغداد لكي يساعدها في قمع الثورة وخصوصا فيها وننقل عنه محاورته مع الحاج يوسف السويدي :-
{ وعند لقائه بالسيد يوسف السويدي قال طالب النقيب حول برنامج عمل الحركة الوطنية في بغداد فما هي برامجكم؟. (فأجابه السويدي: لم نضع برامج حتى الآن. فقال النقيب إذن أنتم لا تزيدون على كونكم خارجين عن القانون أو لصوص فانتم لا تستطيعون القيام بالثورة بدون خطة ولا تستطيعون هزيمة بريطانيا بدون برامج، لقد رأيت على طاولة ويلسن ثلاث برقيات واحدة من الجنرال اللنبي يعرض عليه المدفعية وأخرى من(بومبي) يعرضون تقديم بعض الفرق العسكرية وأخرى من رئيس أركان الجيش في الهند بأن قوات الحدود جاهزة للطلب وسوف تجد (70) ألف رجل يصلون البصرة قبل أن تعلم بذلك... ويضيف أين قواتكم ومدفعيتكم؟ هل تستطيع العشائر أن تحارب الجيش البريطاني؟)) } ويضيف السيد طالب النقيب مبينا شروطه للانضمام إلى الثوار وذلك بعدما استطاع بواسطة صفاء نية السويدي أن يحصل على معلومات خطيرة جدا عن الثوار وأهمها معرفته بان المجموعة تضم بالإضافة للسويدي كل من السيد محمد الصدر والحاج جعفر أبو التمن وفؤاد الدفتري { إذا أردتم أن أنضم أليكم فأن لي أربعة شروط هي 1- أن يرأس الدولة العراقية أحد العراقيين الشرفاء من عائلة معروفة وأصل جيد. 2- تأليف جمعية من أشخاص حسني السمعة ومن الرجال الشرفاء. 3- الصيغة السياسية والدعاية السياسية والميل للتمرد(يعني ثورة العشرين) ويجب طرحها أو توقفها في الحال 4- دعوة أشراف بغداد والذين لم يرتبطوا بحزب يوسف السويدي ليأخذوا مكانتهم وأن يشتركوا في الحكومة أو المجلس } وأيضا يصف السيد النقيب لقائه مع السويدي لمناقشة الأمور فيقول { عندما بحثنا الوضع مع زعماء الحركة في بغداد وجدتهم لا أباليين بل العكس كانوا يبذلون قصارى جهودهم لإحداث الهياج والثورة وتحريض العشائر على الفوضى } أما وصفه للقائه مع السيد محمد الصدر في دار الأخير بالكاظمية وقد طلب من النقيب الابتعاد عن الانكليز ومقاومة مشروعهم السياسي القاضي بتأسيس المجلس الدستوري وكتابة الدستور وتشكيل حكومة من قبلهم فيقول عنه { أنه لا يريد أن يخرج عن الخطة التي رسمها الوفد لنفسه وانه سيسير عليها مهما كلف الأمر } ويقول المؤرخ الكبير الدكتور فاروق صالح العمر عن هذا الموقف { أن بريطانيا كانت تأمل في المجلس الذي سيضع الأسس الأولية لدستور البلاد واختيار الحكومة لها وبذلك تضع حداً للمشاكل الداخلية ولكن ذلك لم يتحقق بعد أن قام طالب النقيب بتوسيع الفجوة بين الوطنيين وبريطانيا بإفشاء أسرار الوطنيين إلى بريطانيا وما يتبع ذلك من مشاكل } .
وعلى أثر التعاون بين طالب النقيب والسلطات البريطانية فقد أدى إلى:-
1) إلقاء القبض على الشيخ أحمد الشيخ داود وإبعاده إلى جزيرة هينجام.
2) اعتقال عارف السويدي وجلال بابان وسامي خونده وإبراهيم ناجي وإبعادهم إلى جزيرة هينجام .
3) تمكن كل من السيد محمد الصدر وجعفر أبو ألتمن وعلي البازركان ويوسف السويدي من الهرب بعد محاولة ألقاء القبض عليهم وهروبهم إلى الفرات الأوسط وديالى لغرض الاشتراك في هذه الثورة.
4) ألقاء القبض على عبد المجيد كنه ومحاكمته وإعدامه شنقا .
من المخزي جدا الاستمرار بمتابعة مواقف أمثال السيدين نقيب بغداد ونقيب البصرة ولكنها الأمانة في توضيح وفهم وتحديد هوية الثورة المظلومة ثورة العشرين ولهذا فإننا نجد أن موقف السيد مزاحم أمين الباججي وهو والد السيد عدنان الباججي من الثورة والذي ألقى خطبة باسم أهالي بغداد وذلك في حفل استقبال برسي كوكس في مدينة البصرة وكما يصفه السيد علي البزركان { فقد تأسف مزاحم الباجة جي على الثورة ووصف قادتها بالجنون .... ما كان يحق لمزاحم الباجة جي أن ينطق باسم أي فرد من أهالي بغداد إذ أنه يشتغل تحت لواء السيد طالب النقيب المعروف بميوله الكبيرة للإنكليز }.
ونجد موقفا أخرا معارضا ومقاوما للثورة في حالة ( الحاج ناجي رضا ) والذي تصفه لنا ( مس بيل ) إذ تقول { ذهبت لزيارة الحاج ناجي الذي وجدته في وضع نفسي غير رائع، فقد عاش مدة عصيبة أثناء شهر رمضان بسبب ما مارسه المتطرفون (الوطنيون (من ضغوط إلى جانب توجيه الشتائم له بهدف دفعة إلى المشاركة في الاضطراب التي قامت.... وقد اخبرني قائلاً لا يغمض لي جفن في الليالي وقد قمت بتعيين حارساً يقوم بحراستي كوني وحيداً وبعيداً عنك إذا أن هؤلاء الكلاب وأبناء الكلاب (يقصد الوطنيين) لا يتوانون عن القيام بأي عمل عندما تكونين بعيدة عن... وكن نجلس وقد قمت بدوري بتهدئته ووعدته بتواصل زيارتي له } حيث كانت مس بيل تذهب إلى بستانه في منطقة الكرادة دوما للنزهة معه كما تقول هي .
إذن هذا هو موقف بغداد وما جرى فيها وكيف تم إعدام عبد المجيد كنه ونفي رفقائه من الثوار وتمكن الآخرين من الهرب ووصولهم إلى منطقة الفرات الأوسط والتحاقهم بالثورة والثوار وهذا ما فعلوه حقا وهو مطابق للتركيبة الاجتماعية والحضارية للمدينة وأهلها مضافا إلى أن تقارب الأضداد وتجاورهم يؤدي بديهيا إلى تعميق الخلافات الموجودة بينهم وبغداد مدينة المتناقضات جمعتها كلها تحت عباءتها.
لقد كانت الأمور مهيأة من قبل جماعة بغداد وخصوصا حزب حرس الاستقلال على إعلان الثورة في 12 أب 1920 وقد وضعوا خططهم بحيث تزحف قوات الثوار من جهة المحمودية واليوسفية وبالمقابل تزحف قوات أخرى من جهة ديالى إلى منطقة خان بني سعد وقد وصف الخطة والتحرك السيد علي البزركان والذي كان احد الرموز الوطنية الذين داهمت سلطات الاحتلال البريطاني منازلهم إذ يقول :-
{ (( دعوت الهيئة السرية الإدارية لحزب حرس الاستقلال لاجتماع عاجل حسب طريقتنا، وتم الاجتماع في بيت عبد اللطيف حميد وطرقنا عليهم بعض الأفكار حول الموضوع ... وبعد مدة من المحادثات تقرر في الاجتماع ما يلي :-
1) قطع سكة الحديد لمنع وصول العساكر الانكليزية .
2) عشائر ديالى تقوم بالثورة وبالأعمال الحربية وتحرير القصبات من السيطرة الانكليزية واعتقال الانكليز وإدارة الأهالي لها .
3) تتجه العشائر بتحركها نحو خان النص(خان بني سعد) ثم نحو بغداد لتحريرها ويكون التجمع هناك.
4 ) تبلغ عشائر المحمودية واليوسفية التي مع الثورة وما جاورهما بالتوجه إلى اليوسفية ثم إلى بغداد وبنفس اليوم المذكور أعلاه .
5 ) إرسال ضباط حربيين من بغداد إلى كل من ديالى واليوسفية وبالأخص إلى الأهالي وكذلك (مدنيين لإدارة العشائر في تحركها إعلان الثورة في بغداد ) وجعل مناسبة المولد والعزاء يوم 12 آب وإبلاغ الحزبيين بذلك مع حث أكبر عدد من الأهالي لحضور المولد .
6) تهيئة السلاح المتوفر لدى الأهالي لمختلف أنواعه بالقرب من مكان المولد لقد أقرت النقاط دون مخالفة من احد.
وخرجت وأنا متفائل .. وتم اختيار الأشخاص لإرسالهم إلى ديالى واليوسفية والقيام بالأعمال المفوضة بهم في بغداد وخارجها .. ستكون معركة بغداد مفاجئة للانكليز لاسيما أن الليل يسخر تركاتنا .. وجاء احد المتعاونين معنا وافهمني أن السلطات قررت ألقاء القبض علينا وكانت الأحكام العرفية أعلنت قبل ذلك اليوم .. واجتمعت الهيئة الإدارية لحزب حرس الاستقلال المركزية في بيت عبد اللطيف فلما التقينا أخبرتهم بقرار السلطة المحتلة فقررنا تأجيل الثورة في بغداد وأرجاء التظاهرات)) }.
لقد أدت عمليات المداهمة والاعتقال وهروب عدد من الثوار إلى إفشال هذا المخطط الكبير وبعبارة أدق فقد أدت الوشاية بالمخطط وأصحابه للبريطانيين إلى إجهاض الثورة التي لو ملكت بغداد في حينها لانتهى الأمر ولكانت امض فاجعة تصاب بها أقذر واعتى واكبر القوى الاستعمارية التقليدية في العلم وقتئذ وهو ذاته ما حصل في الثورة الشعبانية عام 1991 إذ لم يتمكن الثوار من السيطرة على بغداد ففشلت الثورة الشعبية الشيعية العربية الثانية خلال القرن الماضي.
لاستبيان دور الكورد في هذه الثورة فإننا سنعود إلى ما قاله المؤرخ الكوردي الكبير الدكتور احمد كمال مظهر والمنشور على موقع صوت العراق الناطق باسم مزدوجي الولاء والجنس نقتبس منه { - حركة التحرر في العراق بالنسبة لجميع القوميات والأقليات بلغت شوطاً بعيداً قبل الاحتلال. طبعاً إن المحتلين تصرفوا تصرفات غير لائقة، فانفجرت الثورة في الفرات الأوسط وكانت ثورة تحررية وعقلانية. وأود أن أشير إلى شيء رائع في ثورة العشرين هو بيانات الثورة، مثلاً توصيات قادة الثورة للثوار: الرفق والرحمة بالأسرى وان يتعاملوا معهم معاملة إنسانية. هل تعلم كيف كان انعكاس هذا الشيء في مجلس العموم البريطاني والصحافة البريطانية، وكم رفع من مكانة العراقيين؟ إننا اليوم نتعامل بأسلوب و كأننا لسنا من أحفاد هؤلاء العظام، فالثورة كانت ثورة مشروعة وفرضت على البريطانيين التراجع، وهذه الثورة وضعت اللبنة الأولى للاستقلال. وحتماً إن حركة ثورية مثل ثورة العشرين لا يمكن للشعب الكوردي أن يبقى بعيداً عنها، وقد ألفت كتاباً بعنوان (دور الشعب الكوردي في ثورة العشرين العراقية). إن الحركات الكوردية لم يكن لها دور كبير مثل جماهير بغداد أو جماهير الفرات الأوسط، والسبب واضح لأن الانكليز وجهوا ضربة قاصمة إلى الحركة التحررية الكوردية عشية ثورة العشرين، و في 1919 حزيران قضوا على حركة الشيخ (محمود الحفيد)، ونفي الشيخ محمود إلى الهند، فكان هنالك نوع من المد و الجزر في الحركات التحررية الكوردية، ومع ذلك هنالك اشتراك فعلي وخاصة في اربيل وفي بعض مناطق كركوك، إذ اشتركوا اشتراكاً فعالاً في ثورة العشرين.} وهو يؤكد على أن لا دور للأخوة الكورد في ثورة العشرين الخالدة ولا يسعنا إلا تهنئة أستاذنا على هذه الصدقية التاريخية.
بقي علينا أن نتابع مسيرة الفشل العسكري للثورة بالتوازي مع المسيرة السياسية لها وتحديد نتائجها ومن ثم نستطيع تحديد الهوية التي حملتها ثورة العشرين الخالدة وهي ذاتها هوية ثورة عام واحد وتسعين المجيدة.
يشير بيان قوات الاحتلال الذي أصدرته في بغداد وتقول فيه { اشعر الحاكم السياسي للناصرية في 17 تشرين الثاني 1920 أن الموقف في المنتفك اخذ بالتحسن وقد جاء أربعة شيوخ من عشائر ( السعيد) في الغراف وقد كتب ألينا موحان الخير الله يقول انه ينتظر أن يسود الأمن في الطريق ليأتي ألينا وفاتحنا بالمفاوضة ثلاثة آخرون من كبار الشيوخ التي كانت قرب السكة والزعماء ألان في المدينة يتفاوضون مع الحكومة} ويجد الباحث ما في هذا البيان من تناقضات وإبهام للأسماء والشخصيات التي تدل على أن كل ما ورد فيه هو محض أكاذيب أرادت منها قوات الاحتلال الضغط النفسي على المواطنين وبث روح اليأس فيهم.
ذاتيا يمكن إعادة الأسباب الذاتية لفشل الثورة إلى:-
1) التغيير المفاجئ في القيادة الدينية من اليزدي إلى الشيرازي وثم الأصفهاني وان وفاة الميرزا الشيرازي احدث صدعا كبيرا في القيادة الدينية.
2) تحرك عملاء الاحتلال وخصوصا في بغداد وجهودهم الخبيثة التي أدت إلى اعتقال المجاهدين وإعدام قسم منهم وهرب الآخرين مما ترك بغداد من غير قيادة مضافا إلى نسف مخطط الثورة في بغداد كما علمنا سابقا.
3) توسع استغلال الحرب النفسية بواسطة الصحف والبيانات التي كانت تلقيها الطائرات على المجاهدين في ساحات القتال.
4) عدم مشاركة العراقيين في حوض دجلة بالثورة مضافا إلى تأخر تحرك القاطنين في المناطق الغربية إلا بعد قيام الشيخ ضاري بقتل لجمن وهو تاريخ متأخر عن بدء الحركات العسكرية وبقاء كثير من القبائل والعشائر وخصوصا السنية منها في مناطق أخرى على الحياد ولم تشارك بالثورة مطلقا.
5) من البديهي أن مشكلة التسليح والتجهيز والبون الشاسع بين الطرفين المتصارعين بهذا المدد اللوجستي أثرها الكبير لولا موضوعة الأيمان والجهاد والحمية التي تمثلها الثوار لمقاومة جيش الإمبراطورية البريطانية العظمى كما يسمونها وبكل ما لديه من عدة وعتاد ومعدات بالسيوف والرماح والبنادق ( أم عبية ) وأخيرا ما غنموه من الجيش الإمبراطوري المنهزم نفسيا والمهزوم موضوعيا.
6) كان استمرار الثوار بالقتال لمدة تجاوزت الخمسة أشهر أثرا كبيرا على تموين هذه القطعات من المجاهدين إذ لم تصل أليهم أية إمدادات أو مؤن من داخل وخارج العراق وبكل أسف.
7) من الأسباب أيضا قيام بعض القيادات والزعامات بممالئة المحتل وقيادته من اجل مكاسب مادية مثل توسيع إقطاعياتهم من الأراضي وحصولهم على أموال السحت من المحتلين.
8) على مستوى المعارك بين الطرفين فقد كان تأثير قصف المجاهدين بواسطة الطائرات وبصورة عشوائية غير ملتزمة بالإنسانية وهو ما دأب عليه المحتلون في الاحتلال الأول وكذلك الاحتلال الثاني للعراق فقد قام البريطانيون بمعالجة ثورة العشرين المجيدة باكتساح مناطق كبيرة بواسطة المدرعات غير آبهين بعدد القتلى ونوعيتهم وجنسهم وأعمارهم فقد استخدموا سياسة الأرض المحروقة بواسطة طائراتهم ومدرعاتهم .
عملياتيا فقد قامت قيادة المحتل العسكرية بسحب فرقة كاملة من الهند لإخماد الثورة كما يشير إلى ذلك قائد الجيوش البريطانية في العراق ( الجنرال هالدن ) وقد بدأت هذه الفرقة بالوصول إلى العراق مع بداية شهر تموز 1920 وكذلك تم نقل القيادة البريطانية من ( كرند ) إلى بغداد لتعزيز موقف القطعات النفسي .
لما استطاعت قوات الاحتلال إخماد الثورة في ديالى وإعادة السيطرة عليها وكذلك إعادة السيطرة على الفلوجة وصعودا إلى هيت في منطقة الفرات الغربية فقد بدأ عملياته الحربية في 12 تشرين الأول 1920 في منطقة الفرات الأوسط واستطاع أعادة احتلال مدينة طويريج بعد معركة حامية جدا مع الثوار وبناء على أعادة احتلال خط الدفاع والصد الرئيسي لمدينة كربلاء المقدسة فقد استسلمت مدينة كربلاء للمحتل بالرغم من شروط الاستسلام القاسية جدا.
كان هناك تحركا عسكريا أخر قام به المحتل وذلك في 10 تشرين الأول 1920 عندما أرسل قطعانه باتجاه منطقة المحاويل وتمكن من أعادة احتلالها بيسر وكذلك أعادة احتلال خان الحصوة ولكنه واجه مقاومة المجاهدين في منطقة المسيب واستطاع القضاء على هذه المقاومة والتقدم لإعادة احتلال سدة الهندية وبهذا فقد تحكم بمفتاح الفرات الأوسط وصارت المبادرة بيده.
تقدم رتل للمحتلين بالتوازي مع العمليات السابقة وذلك لإعادة احتلال منطقة الكفل الإستراتيجية وقد اصطدم مع المجاهدين في معركة حامية وكبيرة جدا عند منطقة ( الحمصانية ) ولكن الثوار لم يتمكنوا من استمرار الصمود والمقاومة باتجاه مدفعية العدو المجرم وطائراته فاضطروا إلى أخلاء هذا الموقع حيث استطاعوا إسقاط طائرة للعدو واسر طاقمها ومن ثم واصل المحتل سيره باتجاه قصبة الكفل واستطاع أعادة احتلالها وقام بنصب جسر لعبور نهر الفرات وقد حاول الثوار تخريبه ولكنهم لم تمكنوا وبذا عبرت قطعان العدو النهر وبدأت عمليات الفتك والقتل والسبي للنساء وبشكل يجسد وحشيتهم فآثرت القبائل والعشائر الانسحاب باتجاه الكوفة وقد تركت ورائها خسائر جسيمة وكذلك فقد اندفع العدو خلفهم وجرت معارك عنيفة وكبيرة أبلى بها المجاهدون بلاءا عظيما ولكن تفوق العدو مضافا إلى اشتراك حامية الكوفة المحاصرة بالقتال والقصف إذ كان الأشد تأثيرا وفتكا بالثوار هو قيام طائرات العدو بقصف مواقع الثوار بشكل كثيف جدا مما اضطرهم إلى ترك مواقعهم الدفاعية .
بعد هذه الملاحم التي خاضها المجاهدون والثوار البواسل ولما تبين سابقا من أسباب فقد استطاع العدو المجرم من أعادة احتلاله لمدينة الكوفة إذ دخلتها قطعانه المتوحشة في الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم الخميس الموافق 18 تشرين الثاني 1920 وفك الحصار عن حاميته فيها.
كما إن ( طويريج ) هي خط الدفاع عن كربلاء فهاهي الكوفة أيضا تمثل خط الصد والدفاع عن عاصمة الثورة مدينة النجف الاشرف ، فبعد أن أعاد العدو احتلال الكوفة أرسل إنذارا إلى النجف الاشرف يطلب فيها تسليم أسرى قواته أليهم على أن يتم ذلك قبل بزوغ شمس يوم 20 تشرين الأول 1920 وبالفعل قامت قيادة الثورة بتنفيذ هذا الإنذار صحبة وفد من الأهالي لكي يعرض على المحتل استسلام المدينة وقبول شروط الاستسلام ومن هذه الشروط تسليم السلاح الموجود في المدينة وقد تم فعلا تسليم :-
1. تسليم 1176 بندقية حديثة الصنع.
2. تسليم 14291 بندقية أخرى صالحة للاستعمال.
3. تسليم 8 رشاشات نوع لويس.
4. تسليم 2 رشاشة طراز هوشكس.
5. تسليم أكثر من 200000 خرطوشة عتاد.
وقبيل ظهيرة يوم 27 تشرين الثاني 1920 دخلت قوات العدو المحتل مدينة النجف المقدسة وبادرت فورا إلى:-
1) اصدر العدو المحتل أمرا إلى أهالي المدينة المقدسة كافة بمنع الدخول والخروج منها والمكوث فيها.
2) أغلق أبواب سور المدينة الأربعة .
3) منع الدخول والخروج إلا بواسطة جواز صادر من قوات الاحتلال.
وبهذا فقد أعلن حصارا كاملا على أهالي النجف الاشرف والبالغ عددهم ما يقارب 60000 نسمة بدون ماء وطعام بشكل كامل استمر هذا الحصار لفترة شهر أدى إلى وفاة أعداد كثيرة من السكان نتيجة الجوع والعطش والمرض وكل هذا انتقاما من المدينة الباسلة والتي تعرضت لأقسى من هذا في عام 1991 فقد ضربتها قطعان جيش صدام الصاروخية ( 44 ) صاروخ من طراز لونا عدى عن بقية المقذوفات والأسلحة.
انسحب بقية الثوار إلى بساتين منطقة أبو صخير والحيرة واختاروا مقاومة المحتل حتى تتضح الصورة النهائية للثورة وعدم الاستسلام للعدو وهذا ما تؤكده البلاغات الصادرة من القوات المحتلة ، فيقول البلاغ الصادر في 23 تشرين الأول 1920 { هجمت الطيارات على أبو صخير ، وعلى الحيرة في 23 تشرين الأول وقذفت عليهما طنين ونصف طن من القنابل ففتكت بهما } وفي بلاغ أخر تقول القوات المتوحشة { هجمت الطيارات في 27 تشرين الأول على جموع من الثائرين في جوار أبو صخير ، وفي ليلة الــ ( 27 ) هجم مقدار 400 أو 500 ثائر على معسكر اللواء الــ ( 55 ) في الكوفة وكانت تساندهم قوة كبيرة ، وعندما أصبحوا على مسافة أربعمائة ياردة صوبت النار عليهم فجأة فتقهقروا تحت نيران مدافعنا } وهكذا استمرت المقاومة لأكثر من أسبوعين ولم تتوقف إلا بعد استسلام كافة القبائل والعشائر والمناطق .
لم يبقى أمام العدو المحتل ألا قلب الثورة وموطن ولادتها وهي منطقة السماوة والتي بقيت بيد أهلها من المجاهدين حتى بعد أعادة العدو احتلال المناطق التي اشرنا أليها سلفا ولذلك فقد هيأت قوات الاحتلال قواتها الخاصة لإعادة احتلالها.
في 12 تشرين الأول 1920 حركت القيادة البريطانية اللواءين ( 53 و 55 ) لغرض التوجه إلى السماوة واحتلالها مجددا ، ولكن القبائل والعشائر أبت ورفضت رفضا قاطعا الاستسلام للعدو ولكون العدو كان حذرا جدا منهم بسبب ما حصل له في بداية الثورة وكيف استطاعوا تلقينه وإمبراطوريته العظمى دروسا في الوطنية النظيفة والإباء والغيرة المطلقة ولغيرها من الأسباب فقد رأت قيادة القوات المحتلة محاولة أجراء المفاوضات مع المجاهدين وفعلا كلفت احد وجهاء السماوة وسادتها لأنها تعلم مكانة ذرية الرسول (ص) عند الثوار وهو ( السيد محمد السيد محمود ) وقد وافق زعماء المجاهدين على هذا العرض وشكلوا وفدا منهم للتفاوض برئاسة الشيخ ( غثيث الحرجان ) .
قد تكون هذه القيادة ندمت على عرضها هذا أو أن عملائها وأعوانها اسرّوا لها بخطورة هذه الخطوة على وجود المحتل ووجود هؤلاء الخونة والعملاء ولهذا أراد العدو أجبار الثوار على الاستسلام حربا وليس سلما وقبولهم شروط الاستسلام ، وقد اشتبك الطرفان في معركة حامية الوطيس تكبد كل منهما خسائر جسيمة وفادحة في الأنفس والأموال وعلى أثرها وافق الطرفان على العودة إلى المفاوضات وتوصلا إلى الاتفاق التالي وذلك في 20 تشرين الثاني 1920 :-
1) يجب أن تكون للعراق حكومة وطنية عربية مستقلة.
2) عدم مطالبة القبائل والعشائر الثائرة وخصوصا بني حجيم بأي شيء خسرته قوات العدو عدا ما تجده هذه القوات في أيدي الثوار.
3) عدم مطالبة هذه القبائل والعشائر بالضريبة الأميرية لسنة 1920 .
4) تتعهد القبائل والعشائر تلك بالمحافظة على خط السكة الحديدية التي تمر بمناطقهم.
5) تتعهد تلك القبائل والعشائر بتوطيد الأمن والاستقرار في مناطقهم.
6) تتعهد القبائل والعشائر بتسليم قوات العدو الباغي 2400 بندقية.
هكذا سارت الأمور العملاتية العسكرية وقد أثرنا استعراضها منذ انطلاق الثورة عصر الثلاثين من حزيران 1920 وحاولنا تثبيت التاريخ لكل معركة وحادثة وحتى يوم 20 تشرين الثاني 1920 وهو توقيع الاتفاق بين العدو والمجاهدين في منطقة السماوة وكان تأكيدنا على التاريخ حتى نضع أمام المتلقي أين ومتى ومَنْ بدأ الثورة وأشعل فتيلها ومَنْ ومتى وأين حصلت معاركها ومَنْ و أين ومتى وكيف انتهت الثورة تلك ، إذ انه من خلال التاريخ وهوية المشتركين بالمعركة أو الحادثة نستطيع تحديد ما نبحث عنه وهو هوية ثورة العشرين المجيدة والتي وكما قلنا وسنبقى ننادي بأنها { ثورة شعبية عربية وطنية شيعية بامتياز} لم تحصل مثلها في المنطقة التي اشرنا لها بداية بحثنا هذا إلا ثورة آذار 1991 أو ما تسمى بالانتفاضة الشعبانية في العراق وفي نفس المنطقة أيضا وهي منطقة الثوار والمجاهدين الفرات الأوسط العربي الأصيل الثائر }.
استكمالا لهذا البحث فأننا نجد الواجب البحثي يقتضي متابعة نتائج هذه الثورة العظيمة وكيف سارت الأمور السياسية أثناءها وبعدها ومن هم الذين جاهدوا في سبيل الوطن ومن هم الذين باعوا ضمائرهم واستأثروا بدم الشهداء من المجاهدين لكي يقيموا دولة طائفية عنصرية مقيتة.
سياسيا وفي 25 نيسان 1920 قرر مؤتمر سان ريمو وضع العراق تحت الانتداب البريطاني وكان لهذا الحدث الجلل اشد الأثر على النفوس الأبية التي ما اعتادت الغدر والخديعة ولهذا فقد كانت ردة فعل منطقة الثورة في الفرات الأوسط وبعد عقد الاجتماعات والمداولات هي إرسال مندوبين عنهم إلى بغداد للتشاور والتداول مع زعمائها ووجهائها لدراسة وتحديد الخطوات الواجب أتباعها للرد على هذه الخديعة الكبرى من قبل المحتل ، وهكذا وصل إلى بغداد كل من :-
1- السيد هادي زوين .
2- الحاج عبد المحسن شلاش.
كمندوبين عن الثوار والمجاهدين وفعلا التقوا في دار السيد محمد الصدر بكل من :-
1- السيد محمد الصدر.
2- الحاج يوسف السويدي.
3- الشيخ احمد الشيخ داود.
4- الحاج جعفر جلبي أبو التمن.
5- رفعت الجادرجي.
6- فؤاد الدفتري.
7- الشيخ عبد الوهاب النائب.
8- الشيخ سعيد النقشبندي.
9- السيد محمد مصطفى الخليل.
وقرروا في اجتماعهم هذا الاستمرار بالمساعي السلمية مع العدو البريطاني لحين استنفاذ كافة السبل السلمية الممكنة وخصوصا تقديم طلبات من المواطنين إلى السلطة المحتلة تطالب بتحقيق وعودها السابقة أليهم بالاستقلال وتشكيل حكومة وطنية عراقية ، كما اتفقوا على أن يكون أخر الدواء الكي وهو إعلان الثورة والمقاومة أذا لم تجدي هذه المحاولات نفعا.
انتدب المجتمعون ممثلين عنهم قاموا بنقل مطالب الشعب إلى القيادة البريطانية في بغداد والتي عددوها كما يلي:-
1. أنشاء مجلس تأسيسي يضع الدستور ويقرر شكل الحكم.
2. أطلاق حرية الصحافة.
3. رفع الحواجز الموضوعة في طريق البريد والبرق بين البلد والدول المجاورة.
اجتمع ممثلو المجاهدين والثوار من أبناء الشعب الاصطلاء مع العدو وقياداته مرات عديدة وسلموا هذه القيادة مذكرات وطلبات من مناطق العراق كافة وهي تطالب بنفس المطالب التي اتفقوا عليها سابقا ولكن العدو ما زال يمارس سياسة المماطلة والتسويف معهم وإصدار البيانات الكاذبة .
وبخطوة لئيمة وخسيسة تحمل في داخلها بذور التفرقة وتجزئة الشعب فقد قامت سلطات الاحتلال بدعوة مندوبي المناطق في مجلس المبعوثان العثماني وأسسوا منهم ما سمي من قبلهم ( لجنة الانتخابات ) وهي تضم 19 شخصا وقد اجتمع هؤلاء وانتخبوا من بينهم السيد طال النقيب ؟! رئيسا لهم وفي اجتماعهم الثاني قرروا توجيه الدعوة إلى كل من :-
1) السيد محمد الصدر.
2) الحاج يوسف السويدي.
3) الحاج جعفر أبو التمن .
4) الحاج عبد الرحمن الحيدري.
لينضموا أليهم كممثلين عما تدل عليهم أسمائهم وهوياتهم وقد قبل هذه الدعوة الحيدري ورفضها الباقون فأسرعت سلطات الاحتلال إلى إعلان الأحكام العرفية وقام بفعلته المشينة التي اشرنا اليها سابقا بإلقاء القبض على بعض الزعماء ونفي البعض منهم إلى جزيرة هنجام وإعدام الآخرين وكما بينا فقد استطاع قسم منهم الهرب والالتحاق بالثوار في منطقة الفرات الأوسط .
لقد اشرنا في الصفحة رقم (11) من بحثنا هذا إلى اجتماع قادة المجاهدين والثوار لأكثر من مرة وفي أماكن ومناطق متعددة ضمن منطقة الفرات الأوسط وأنهم اتفقوا على ثلاثة مطالب لهم وقد وضعوا ثلاثة مضابط موقعة من قبلهم يطالبون فيها بتنصيب احد أبناء الشريف حسين بن علي ملكا على العراق وكلفوا الشيخ محمد رضا الشبيبي بحملها وإيصالها إلى الشريف والذي بعد استلامها لها قام بإرسالها إلى ولده الأمير فيصل والذي كان حينها في باريس .
في ذات الوقت كان السادة المدرجون في أدناه يعقدون اجتماعا في دمشق في دار نوري السعيد باشا لتدارس مستقبل العراق وكما قلنا وثورة العراق الخالدة لازالت تقض مضاجع المستعمر المحتل وتستدعي مجلس عمومه للاجتماع ويطلب أعضاء فيه من حكومتهم الانسحاب من العراق وغير هذا وذاك والسادة يتداولون مستقبل العراق ؟! والأسماء هم :-
1- جعفر العسكري باشا 2- نوري بك القاضي
3- ناجي باشا السويدي 4- رشيد أفندي الهاشمي
5- تحسين علي بك 6- صبيح أفندي محمد
7- إسماعيل نامق بك 8- محمد أديب بك
9- سامي الاورفلي بك 10- عزت أفندي الكرخي
11-فرج عماره أفندي 12- عبد اللطيف بك الفلاحي
13-يونس وهبي بك 14- توفيق الهاشمي
15-حمدي صدر الدين بك 16- محمد البصام
17-احمد رفيق بك 18- جميل بك المدفعي
19- علي جودت بك 20- عبد الله الدليمي بك
21- مكي بك الشربتلي 22- إبراهيم بك كمال نوحله
23- ثابت بك عبد النور 24- اسعد الصاحب
وقد التحق بهم الشيخ محمد رضا الشبيبي بعدما قام بتسليم المضابط إلى الشريف الحسين وإنني اجزم بان الشيخ الشبيبي قد تم أخباره بهذا الاجتماع من قبل الشريف أو حاشيته وخصوصا عملاء بريطانيا الذين تأمروا عليه وغدروا به بالاشتراك مع ابنه الأكبر الملك علي والد الأمير عبد الإله.
كان مشروع هؤلاء هو إعلان استقلال العراق وسوريا بحيث يصبح الأمير فيصل بن الحسين ملكا على سوريا ويكون الأمير عبد الله بن الحسين ( جد الملك حسين ملك الأردن والذي قتله الفلسطينيون في المسجد الأقصى المبارك) ملكا على العراق وقد أعلن ممثل الثوار والمجاهدين الذي تمكن من حضور المؤتمر صدفة أعلن تأييد الثوار لهذا القرار حفاظا على وحدة الكلمة ولم الشمل.
في 27 أيلول 1920 ولما الثورة قائمة على أشدها والمعارك محتدمة وجثث الشهداء لم تدفن بعد وجروح المجاهدين لم تندمل أعلن المندوب السامي البريطاني في العراق برسي كوكس تشكيل أول وزارة مؤقتة ومن الأسماء الآتية:-
1- عبد الرحمن الكيلاني النقيب ؟! رئيسا للوزراء
2- طالب النقيب وزيرا للداخلية
3- جعفر العسكري وزيرا للدفاع
4- ساسون حسقيل وزيرا للمالية
5- محمد مهدي بحر العلوم وزيرا للمعارف والصحة
6- علي فاضل أفندي وزيرا للأوقاف
7- عبد اللطيف المنديل وزيرا للتجارة
8- عزت باشا وزيرا للاقتصاد والمواصلات
9- مصطفى الالوسي وزيرا للعدلية
وهناك (12) وزيرا بلا وزارة ( وزراء دولة ) وهم :-
a. عبد الرحمن الحيدري.
b. الشيخ محمد الصيهود.
c. عبد الجبار الخياط.
d. داود اليوسفاني.
e. فخر الدين أل جميل.
f. الشيخ سالم الخيون.
g. الحاج عبد الغني كبه.
h. احمد الصانع.
i. الشيخ عجيل السمرمد.
j. الحاج نجم البدراوي.
k. عبد المجيد الشاوي.
l. الشيخ ضاري السعدون
وقد بقي هؤلاء وزراء حتى 14 تموز 1958 حيث تمت أحالتهم على التقاعد وان ذرياتهم تستلم راتب وزير متقاعد لحد ألان حسب علمي.
أما أسماء الوزراء في الوزارة التي تشكلت بعد تتويج الملك فيصل الأول على العراق والتي استمرت ما يناهز السنة فهي:-
1) عبد الرحمن النقيب رئيسا للوزراء
2) الحاج رمزي وزيرا للداخلية
3) ساسون حسقيل وزيرا للمالية
4) ناجي السويدي وزيرا للعدلية
5) جعفر العسكري وزيرا للدفاع
6) عزت باشا وزيرا للاقتصاد والمواصلات
7) عبد اللطيف المنديل وزيرا للتجارة
8) هبة الدين الشهرستاني وزيرا للمعارف
9) محمد علي فاضل أفندي وزيرا للأوقاف
وبعد استقالة ناجي السويدي والحاج رمزي وعزت باشا وعبد اللطيف المنديل تم تعيين السادة أدناه بمحلهم :-
1. توفيق الخالدي وزيرا للداخلية
2. عبد المحسن السعدون وزيرا للعدلية
3. صبيح نشأت وزيرا للأشغال والمواصلات
4. جعفر أبو التمن وزيرا للتجارة
وتم إلغاء وزارة الصحة في مفارقة عجيبة حقا ولكن التعديل هذا حاول فيه المحتل أيجاد نوع من التوازن بين المكونات الديموغرافية للشعب العراقي وهو في حد ذاته يعتبر حجر الأساس لقيام النظام الطائفي السياسي في حكم العراق والذي تحول ألان إلى حرب طائفية.
لا لوم مطلقا على العدو المستعمر المحتل أطلاقا على ما يفعله ولكن اللوم كله على هؤلاء الذين خانوا أمانة الله وأمانة شعبهم ورضوا بان يكونوا أيادي للمحتل في تحقيق أهدافه فهم لم يشاركوا بالثورة ومنهم من حارب الثورة والثوار كما لاحظنا سالفا ولكن نوازع طائفية مذهبية ضيقة عند بعضهم ومصالح أنانية قصيرة النظر عند آخرين وغير ذلك من الأسباب حدت بهم إلى القبول بهذا العمل الذي أجهض المشروع الوطني العروبي الثوري .
من المفارقات الغريبة جدا والعجيبة والتي لم أجد لها تفسيرا علميا حتى ألان وهي :-
أولا) عندما احتل البريطانيون العراق في عام 1914فانهم سلكوا طريقهم إلى بغداد بواسطة حوض دجلة ولم يتحرشوا بالفرات ومناطقه إلا بعد استتباب الأمر أليهم في حين أن الاحتلال الانكلو أمريكي في عام 2003 قد سلك حوض الفرات وصولا إلى بغداد؟؟؟!!!.
ثانيا ) اتخذت القيادة الدينية الشيعية في النجف الاشرف موقفا صلبا جدا بالدعوة إلى جهاد البريطانيين وبعده الدعوة إلى الثورة والمشاركة في ثورة العشرين ، بينما نجد موقف القيادة الدينية الشيعة في عام 2003 هو مهادنة المحتل وعدم مقاومته.
ثالثا) قد يجد بعض الباحثين المتعمقين تشابها كثيرا جدا بين سيناريو الاحتلال الأول وسيناريو الاحتلال الثاني في كثير من تفاصيله.
ولكن الأسف كل الأسف وحسرة عظيمة يزفرها كل الشرفاء والوطنيون عندما يجدوا مصداقا فيهم للمثل الشعبي الذي صاحب احتلال الانكليز للعراق في عام 1914 ويقول { يجد ( بمعنى يكد ويكدح) أبو كلاش ( وهو نعل بسيط ينتعله الفلاحون والفقراء من الجياع) وياكل ( بمعمى يأكل) أبو جزمه ( ألجزمه حذاء ذو رقبة طويلة والمقصود هنا حذاء الجنود البريطانيون } وهو ألان واضح فقد كد وكدح وقاتل وقُتل الوطنيون والشرفاء المخلصون من العراقيين في ملاحم أسطورية وبطولية وعند القطاف صارت الأمور إلى الأتراك ومن لا أصول لهم وخونة الذمام وغيرهم وهو ذات ما حصل في عام 2003 فإنا لله وإنا أليه راجعون والعاقبة للمتقين .





تم بعونه تعالى عصر الاثنين العاشر من جمادي الثانية 1428 هجرية
الموافق الخامس والعشرين من حزيران عام 2007





ليست هناك تعليقات: