الأحد، 6 يوليو 2008

الثقافة

الثقافة
محمد سعيد السيد سلمان أل يحيى

احتار أهلها فيها بالضبط كما احتار ضدهم أيضا ، فتحت هذا العنوان الكبير جدا اختلف الناس في العناوين التي تنضوي تحته حيث شرب الكل من مشربه الذي ارتآه له نبعا .
فمنهم يجد الثقافة هي الآداب والفنون من شعر ونثر وموسيقى ومسرح وغيرها ، بينما الأخر يضيف العلماء في كل مناحي الحياة سواء الطبيعية منها أو ما وراء الطبيعة ، وآخرون يضعون تحت هذا العنوان ذوي الأذواق في ملبسهم ومنطقهم ومجلسهم وما سواه ، وهكذا احتاروا بمن يضمه العنوان ولكن الجميع مجمعين غير مختلفين على أساس هذه الثقافة وجوهرها ألا وهو العلم والمعرفة.
فحتى صاحب الاتكيت أو الذوق كما يسمونه فهو يتصرف عن علم ومعرفة ، بل نستطيع الجزم بأنه كلما اتسعت دائرة العلوم والمعارف عند الفرد والمجتمع والشعوب والأمم كلما اتسعت المساحة الثقافية لأي منهم.
هكذا تعلمنا من سيرة الأفراد والشعوب والأمم السالفة والحالية إذ نجدها أي تلك السير تجزم لنا أن ما نراه ونشاهده ونسميه ونعني به ثقافة هو نتاج طبيعي لتطور وتقدم علمي وتوسع في البحث التقدمي بجميع مناحي ومتطلبات الحياة سواء منها المادية أو الروحية.
كذلك لابد من الوقوف عند وحدة الثقافة مادة وروحا فليست هي من المتجزئات أو من التي لها القابلية على التجزئة مطلقا وبعبارة أخرى لا يمكن أن يُكرم فرد ما أو شعب أو امة بوضعها ووصفها تحت هذا العنوان وهو أو وهي تجدها متقدمة ماديا ومتوقفة إن لم تكن متخلفة قيميا وروحيا.
وهنا لابد من الإبانة لمفهوم ومصطلح الروحي لان الشائع عنه هو متعلق الدين وما وراء المادة ولذلك لابد من القول أن هذا الشائع منضوي تحت الروحانيات التي هي تداعب روح الفرد والشعب والأمة واحساسيها الداخلية سواء ما يظهره أو تظهره أو ما هو مخفي.
ولتوضيح ذلك أكثر فان الموسيقى هي غذاء الروح كما يسمونها ونحن إذ نجدها عند أفراد وشعوب وأمم تعتلي النواصي ويتم تقديمها ظاهرة بادية فإنها عند الطرف الأخر في القلوب والضمائر الداخلية يداعب شغاف القلوب وتطرب النفوس بينما تعلو وتصمد الأجساد أي إن أفرادا وشعوبا وجدوا الموسيقى تغرد شدوا مع نص شعري أو نثري وما شابه وبحالة أخرى تتراقص الأنغام مع أجساد أنثوية متخصصة في مجال ثقافي منحرف طبعا عندما تظهر الأنثى شبه عارية الجسد وصفير القوم يصك الأذان والأيادي تتقطع مكاءا لها وهؤلاء أصحاب المكاء والتصدية لا يقبلون تعريهم وإناثهم لذا فهي نزوة غريزية تقع تحت عنوان الثقافة الحيوانية وليس الإنسانية منها ، فلو رضيّ هؤلاء المصفقون عمليا بان تكون شبه العارية منه ( معلوم ما القصد منه ) ونقول عمليا أي على ارض الواقع ، حينذاك تتحول إلى ثقافة إنسانية مقبولة.
في الستينيات من القرن الماضي ولما كان سوق العلم والمعرفة التي تظهر للعيان من خلال ظهور اكبر عدد من المكتبات وباعة الكتب والمطابع ووجود كم كبير أيضا من الصحف والجرائد اليومية والأسبوعية والشهرية وحتى الموسوعات الموسمية فقد كان سوق العلم والمعرفة والفكر في اشد رواجه بالعراق وهذا يعني كما قلنا سابقا اتساع مساحة الثقافة في العراق فرديا ومجتمعيا مضافا إلى توسعها عموديا وأفقيا ونوعيا فقد كنا بحار ونحزن عندما يفوتنا ما لا نمتلك وقتا لقراءته أو سماعه.
خلال تلك الأيام السيئة ماديا على كل العراقيين ولكنها من الوجهة الثقافية كما بينا أعلاه ، تساءلنا عن تعريف الثقافة والمثقف وقد أعلمنا سُرات الثقافة في مجتمعاتنا حينها أن { المثقف هو ذلك الذي يعرف من كل شيء شيء ومن شيء كل شيء } وبقينا على هذا التعريف حتى يومنا الراهن وشخصيا أجد فيه تجسيدا موضوعيا لمفهوم مصطلح المثقف لاسيما وان التعريف مبني على المعرفة والعلم وهما سر الوجود الكوني سواء في مراحل الخلق والتخليق وهي المراحل التكوينية وصولا إلى مراحل الانسياق والاتساق في الحياة بقوانينها وسننها بانقياد تام مطلق وبشمولية تامة ومطلقة أيضا ولكل شيء في كوننا الذي نعيش فيه ما وصل الإنسان أليه مكتشفا وكذلك المجهول عنا وهو الأكبر والأكثر، وهذه هي مرحلة السلطنة والملك .
إذن فالثقافة هي معرفة وعلم وهي كُلٌّ لا يتجزأ وإنها شاملة بالإطلاق لكل عناوين الحياة وقد يكون على شيء من الصحة قولنا أن كل إنسان أين واني ومتى كان فهو مثقف نسبيا قدر ما يحمله من علم ومعرفة .
ولكن الأسئلة الآتية تبحث لها جوابا :-
1- هل يمكن أن تُستغل الثقافة ؟
2- وبصيغة أخرى هل من الممكن استغلال الثقافة لمشاريع وأغراض فردية أو اكبر؟
3- وأيضا هل بالإمكان وجود ثقافة منحرفة أو مشوهه؟.
نقول أن من يندك باحثا في سطور صفحات التاريخ ومفرداتها يجد انه ولما كانت الثقافة هي ظهور خارجي وموضوعي للعلم والمعرفة فإن استغلالها قد ( تفيد التحقيق ) حصل وهو حاصل وسيحصل كما إنها استغلت وهي مستغلة وستبقى رهينة الاستغلال وذلك نتيجة منطقية بدبهبة حيث ستكون هناك ثقافة أصيلة وأخرى منحرفة ومشوهة اتساقا مع العلوم والمعارف الأساسية لها.
في عالمنا المعاصر وفي خضم الصراعات الفكرية والعقائدية والاجتماعية والاقتصادية وصيغها الظاهرة في الحروب والمعارك والنزاعات والصراعات التي يشهدها كوكبنا البديع الجمال وعندما يحاول البعض التحليل جديا للأسباب الحقيقة لما وراء كل المآسي التي تعيشها المجتمعات والشعوب والأمم ألان يجد أن كلها ترجع أساسا للثقافة التي سيطرت عليها وتلك التي لازالت تسيطر حتى ألان.
فعندما تتحول ثقافة التسامح الإنسانية إلى ثقافة التطرف والتعصب الحيوانية سيجد الباحث أن النتيجة هي التصارع والحراب والقتل والشحناء والبغضاء وهكذا ما تسببه الفوارق المعيشية بين الأمم وشعوبها ومجتمعاتها وأفرادها أو ما يسمى بالأزمات الاقتصادية فانه بديهيا أيضا أن يحصل التطرف هذا والتعصب ذاك واللذان هما النوازع الرئيسية والأساسية للجريمة بكل أنواعها وكافة أشكالها فردية كانت أو جماعية.
وبعبارة أدق فإن الثقافة المنحرفة وتلك الغير متوازنة والأخرى المشوهة والأخطر المظلومة منها بتسييسها كل هذه ستجر الويلات والقتل والتطرف والتعصب أي إنها ستحيل نجوم وأقمار الثقافة الإنسانية إلى قبور وبرك آسنة للثقافة الحيوانية.
واني وجدت أن الأخوة الذين تباروا من اجل تأسيس وبناء ورعاية ( المجلس العراقي للثقافة ) قد جاءت جهودهم لكي يعيدوا للثقافة العراقية أولا ومعها طبعا كل الثقافة العالمية حاليا بعدما وجدناها لا تتجزأ وتتفاعل ، فيوقدوا شموسها لكي تعود أقمارها ونجومها زاهية زاهرة في سماء الإنسانية التي تمر ألان باحلك لحظاتها وليس أيامها وساعاتها وخصوا قلب صراعاتها العراق المظلوم.
بوركت تلك المساعي الخيرة ولا يسعنا ألا الدعوة للجميع بان تكون لهم مساهمتهم في أيقاد الشموس أو المحافظة على شعلتها الوقادة واخص منهم من انحرف عن الخط القويم سابقا ولازال أو من انحرف لاحقا .

والله من وراء القصد...

محمد سعيد السيد سلمان أل يحيى
3 تموز 2007

ليست هناك تعليقات: