الأحد، 6 يوليو 2008

في عراقنا اليوم ... 16 - الفساد الاداري واجهزة الرقابة

في: عراقنا اليوم ... 16
- الفساد الإداري وأجهزة الرقابة -
محمد سعيد الخطيب أل يحيى

هاتان المفردتان وهاتان الحالتان وهاتان الجهتان – وهما وجهان لعملة واحدة في العراق حسب تجربتي معهما – وهما مَنْ عانيت الآمرين معهما في زمن صدام وحزبه والاحتلال ومشروعه ، ومن ذلك فإنني أمتلك تجارب غنية ودسمة معهما سواء قبل التاسع من نيسان 2003 أو بعده ، ولكن الذي بعده سيبقى ألان طي الكتمان لمدة ( 60 ) ستون عاما أسوة بوثائق لجان التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل التي حجبتها الأمم المتحدة – يا حيف على الاسم – لهذه المدة لأنني أجزم قاطعا بأن الفساد الإداري الذي فيها ولجانها والمسئولين عن تصدير الأسلحة والمواد الأولية لها مضافا إلى المكائن والمعدات وهذه القائمة تشمل رؤساء دول ومسئولين كبار في فرنسا وألمانيا وبريطانيا وأمريكا ... الخ ، هي السبب وراء هذا الحجب ، وبهذا فهو فساد إداري – من غير شكل ! – وسلامنا إلى لجنة ( الكوتكنا ) والرشاوى التي كانت تستلمها لتهريب كل شيء إلى نظام صدام حتى محركات الطائرات والدبابات! أليس كذلك ؟؟؟!!!.
حدثني ( رحمه الله ) انه وفي إحدى جلسات مجلس النواب في العهد الملكي – الرجعي والمرتبط باطنيا بالامبريالية العالمية وليس كما ألان العلاقة جهارا نهارا والحمد لله – حيث قدمت المعارضة – طبعا تسمى بالوطنية – لائحة إلى المجلس تشكو من تفشي { المحسوبية والمنسوبية والرشوة والواسطة } والتي هي أعراض مرض الفساد الإداري وأن الحكومة – يومها كان رئيس الوزراء ذو الدماغين نوري باشا السعيد – لم تفعل شيئا .
عندها طلب رئيس المجلس من رئيس الحكومة الرد على المعارضة – وهذا يفيدنا بتواجد رئيس الحكومة في جلسات المجلس وان النصاب مكتمل والمناقشات من اجل العراق حامية ومن اجل الجيوب مؤجلة - ، حيث سارع نوري باشا طالبا من المجلس الموافقة على استيراد موظفين من الهند والذي أثار ضجة من قبل المعارضة – طبعا الوطنية – ولكن ذو الدماغين بينَّ للمجلس توضيحا لطلبه حيث إن المرتشين والفاسدين والمفسدين هم عراقيون فمن أين يأتي بمن لم يَمْرُضْ بهذا المرض ، إذ ليس في الأمر إلا الاستيراد.
تدل الحادثة على أن هذا الفساد كان موجودا منذ زمن طويل - وقد نجد في البعض من هؤلاء الفاسدين ينسب ذلك إلى الرسول (ص) عندما يتهمه { استغفر الله } بأنه (ص) – قَبِلَ الهدية – وهي تهمة لرسول الرحمة والعدل والإنصاف ، إذا كان القبول بها مقابل شيء ما ، وليس من ضرر إذا كانت الهدية تدل على روح المحبة بين المتهاديين.
بعد الانقلابات التي شهدها العراق منذ عام 1958 واثنان في عام 1963 ومحاولة بعثية في عام 1964 ومحاولة شيوعية في عام 1965 وبعدها انقلاب عام 1968 في 17 تموز وثم الطامة الكبرى في 30 تموز من نفس العام عندما استولت عصابة البكر – صدام على السلطة والحكم ؛ حيث نجد كل من تعاقب على كرسي الحكم أما كان فاسدا أو متهما بالفساد أو انه لم يتخذ الإجراءات الكفيلة ولو بالحد من ظاهرة الفساد الإداري – ويستثنى طبعا المرحوم عبد الكريم قاسم والذي لم يك فاسدا ولم يستطع أعداءه ولا غيرهم اتهامه بذلك ولكنه لم يتخذ الإجراءات المطلوبة -.
تعتبر فترة حكم الأخوين عبد السلام وعبد الرحمن محمد عارف من أخصب الفترات التي نما وترعرع فيه الفساد الإداري والذي وصل إلى أن عبد الرحمن عارف يعرض على الشيوعيين استلام الحكم مقابل دفع مبلغ 1000000 دولار له وان فضيحة برج بغداد وبنك – انترا – المتهم فيها عبد السلام عارف قد تم لفلفتها كما هو المتعارف عليه!؟.
ما أن استولى البعثيون على الحكم وثبتوا وجودهم وأقاموا جمهورية الخوف والفزع ، حيث زرعوا الرعب الحقيقي والمدمر في نفوس كل العراقيين وحتى اقرب المقربين منهم ؛ وفي هذه ( الحتوته ) التي قصها عليَّ احد الأصدقاء والذي تم تكليفه بتقديم دروس خصوصية إلى – بنت طه الجزراوي – وفي بيتهم حيث حصل ذلك له أثناء أداءه خدمة عسكرية – التي ضاع رأسها وساسها – كما يقول المثل.
يقول الصديق انه في احد الأيام وعندما جاء لتقديم الدرس خرجت عليه البنت في حالة يُرثى لها من ملابسها وعدم وجود الميكياج والحزن والخوف البادي على محياها وعندما استرقت النظر إلى داخل القصر وجدت الخراب والتبعثر والاضطراب بينا على كل شيء وقد أبلغتني الفتاة بعدم إمكانية الاستمرار بالدروس - لأسباب خاصة – ولكن بعد فترة تم تبليغي بالذهاب إلى البنت وإكمال المهمة ، وفعلا عدت إلى عملي ، وبسبب فضول شديد عندي لم أتمالك نفسي إلا أن اسأل الفتاة عن تلك الحادثة ، وهذا ما حصل في يوم ما ، فأخبرتني الفتاة بأنهم جميعا – تقصد العائلة وأبوهم – كانوا في نفس الحالة التي كانت هي عليها وشاهدها صديقي هذا وأما السبب فهو حسبما تقول البنت (( عمو صدام كان زعلان على بابا )) وتمادى صديقي في الحديث ليسألها وكيف عرف – البابا – بزعل – عمو – فقالت عندما سلم عليه لم يبتسم ولم يكلمه، يقول صديقي فقلت لها إن هذا لا يستوجب ما شاهدته من حال ، فقالت الفتاة (( انته ما تعرف زعل عمو صدام وسكتت والخوف بعينيها !؟ )) ...
هذا الخوف والرعب وما أثرته عصابات جهاز ( حنين ) وغيرها من الأجهزة القمعية مثل (( أبو طبر )) والاغتيالات والاعتقالات ودور ناظم كزار في تصفية الناس بأحواض حامض النتريك أو حامض الكبريتيك المركز وغيرها الكثير أثرت إلى أن يكون الفساد الإداري بحدود ضيقة وغير مرضية قدر المستطاع تخوفا من الإجراء الذي من الممكن أن تتخذه – القيادة حسب تسميتها من قبل البعثيين- ، واستمر هذا لحين استيلاء صدام وأهله وأقربائه وأعوانه على الدولة والأرض والعرض والرقاب ودخوله الحروب الواحدة تلو الأخرى من حرب الشمال إلى شد الأحزمة على البطون في مهزلة التأميم الفاسدة وحرب الثماني سنوات وضم المحافظة التاسعة عشرة ليختمها الأمريكان باحتلال البلد والإطاحة بصدام ، إذ لو انه باقي إلى ألان لأنجزنا تحت قيادته وزمره الإجرامية مئات أو ألاف المعارك!!؟؟.
ومع فرض الحصار المجرم على العراقيين من قبل المجرمين وبضمنهم صدام ونظام حكمه طبعا ووصول نسبة التضخم إلى أرقام فلكية ، وبإزاء مُرّتب شهري قدره 3000 ثلاثة ألاف دينار فقط وهي قيمة كيلوغرام واحد من مادة السكر قبيل موافقة صدام على قرار (( الشفط والفط لموارد للنفط أو ما يسمى النفط مقابل الغذاء والدواء )) ، وقد كنا أجرينا عملية حسابية لاحتياج العائلة العراقية المتكونة من أربعة أفراد فوجدناها تحتاج إلى ( 90000 ) تسعون ألف دينار في الشهر ، ولكن الأمور تجري بثلاثة ألاف دينار إيرادا وهذا الرقم الفلكي بالنسبة للإيراد مصرفا!!!.
صار الفساد الإداري ضمن هذه الظروف الموضوعية التي يعيشها أصحاب الرواتب والأجور بالأخص ، وكل الناس بالأعم ، صار شريعة يتعامل بها الجميع وكل فئة لها فتواها وطريقتها من سرقة أموال الدولة والأموال العامة إلى دفع الرشا بشكل علني ومفضوح ، فلا عجب ، وقد حدثني احد الأصدقاء من ضباط استخبارات شرطة المرور قصة عن حضوره مؤتمرا مع وزير الداخلية حينها وهو يومئذ – وطبان إبراهيم الحسن – وقد وجه هذا الوزير هؤلاء الضباط بالتغاضي عن منتسبيهم المرتشين بمبالغ قليلة مثل 100 أو 250 دينار ويجب التأكيد على الحالات الكبيرة حسب زعمه هذا !؟ وقلنا حينها أن قانون المرور يباع بمبلغ مائة دينار فقط تدفعها للشرطي فيتركك مهما كانت المخالفة ، كما إن لقواطع الجيش اللاشعبي – سيء الصيت – دورها في توسيع قاعدة الفاسدين والمفسدين ، فكان تبديل أي مواطن من احد قواطع هذا الجيش يتم بدفع مبالغ إلى الرفاق أو إرسال { ناطوح أو سابوح } أي رأس من الغنم أو مجموعة من الأسماك النهرية طبعا .
ساهم ضباط الجيش ألبعثي العقائدي كما يسميه البعثيون في نشر الرذيلة والرشا وإفساد من لا يفسُد ، عندما جعلوا للإجازات التي يمنحونها للمراتب أثمان تعادل مدتها كذلك الهبات مما خف وزنه وغلا ثمنه كما يقولون ، لا بل إن قسم من هؤلاء استولى على ممتلكات الآخرين وذلك مقابل عدم التحاق صاحب الملك هذا بالخطوط الأمامية في جبهات القتال وشمل ذلك بيوت ومصانع ومحلات ... الخ.
وجاءت – أم المهالك – فكانت وكما وصفها صاحبها وقائدها بأنها (( قطع للأرزاق )) فتحالفت كل قوى الشر الداخلية والإقليمية والعالمية على شعب العراق ومواطنيه لأجل إخضاعه لمخططاتهم وللقضاء على روح الكرامة والعنفوان التي يتميز بها هؤلاء ، ولكنهم نسوا أو أن شياطينهم أنستهم أن هذا العراقي يتميز بذكاء حاد يمكنه من اجتياز المحن والغصات ، فكانت سني الحصار وكما أسلفنا أعلاه فاتحت لمصاريع أبواب الفساد والإفساد حتى فسدت ثلاثة جهات اجتماعية والتي بفسادها أيقنت أنا شخصيا بان الموضوع تحول إلى كارثة رهيبة ، وهذه الجهات هي الأطباء والقضاة ومربي الأجيال من المعلمين والمدرسين وصولا إلى أساتذة الجامعات مع شديد الأسى والحزن العميق.
كان تشجيع وسائل إعلام النظام – بقصد أو غيره – يوميا وبالصوت والصورة ، فقد كانت محطات التلفزيون العائدة للنظام تبث أسبوعيا تقريبا فلما مصورا عن زيارة رأس الفساد والنظام الفاسد إلى معرض الهدايا المقدمة له من المواطنين ، في الوقت الذي يعاقب قانون العقوبات العراقي الموظف الذي يتقبل الهدية بالسجن مدة لا تزيد على (6) الستة أشهر.
انتشار الفساد على الّسُنْ الخاص والعام وفي كل مفاصل الدولة والحياة العامة أيضا من دون خشية أو حياء وبديهيا من دون خوف حتى صار التندر بعبارة ( ورق ورق ) مما يلوكه الجميع، وهذا بالرغم من اجرءات صدام شخصيا إذا ما علم بحالة من الفساد، فكانت عقوبته صارمة تصل للإعدام حتى ولو على مبلغ زهيد ، ففي إحدى المرات وصله تقرير من عضو شعبة في حزبه من أهالي النجف يشرح فيها أن عضو القيادة مسئول النجف حينها قد اتفق مع كبار الرفاق على تقاسم أراضي خصبة جدا وصالحة لزراعة الشلب وبأثمان بخسة جدا ورمزية بكل معنى الكلمة . سارع صدام إلى جمع الجهاز الحزبي في النجف وفي بغداد وعندما تكاملوا في القاعة ودخل عليهم قائدهم وهو يقول { وينه هذا .... أبو الأراضي } ثم اصدر أوامره بالعقوبات من طرد وفصل وغيرها ، وقد استخدم السجع بين الاسم وبين الأراضي .
حاول النظام تحسين صورته في هذا المجال فأصدر قوانين وانشأ دوائر لمتابعة هذا الداء وأهمها جدا هو – ديوان الرقابة المالية – وقد قدم له دعما واسعا ، فقد كان لمدققيه صلاحية توقيف الموظف الفاسد عند توفر أدلة للتهمة ، ولكن اعتراض طارق عزيز وحسين كامل أدت إلى إلغاء هذه الصلاحية، كما أمر النظام بفتح دوائر للرقابة الداخلية في جميع الدوائر لتوفير الرقابة المحلية ضمن هيكليتها، ولكن بالرغم من هذا وذاك فقد كانت الظروف الموضوعية الاقتصادية والتي جعلت المعلم يطلب من تلميذه الخبز والبيض ليسد رمق عائلته موائمة وملائمة للفساد وانتشاره.
لكن المشكلة الكبرى التي ساعدت على بقاء وانتشار هذا الداء هو أن هذه الدوائر الرقابية وعلى رأسها ديوان الرقابة المالية ومديرياته في الديوان والمحافظات صارت من افسد الفاسدين ، فقد كان التغاضي عن هذا وإغلاق موضوع ذاك وضياع التقرير الخاص بعمر وضياع المستمسكات العائدة لقضية زيد ، حتى وصلت الأمور بابتزاز كثير من الدوائر ومدرائها بدفع ( المطلوب وإلا... ) !!؟؟.
يمكنني الجزم بالوقائع والوثائق أن نظام صدام وحزبه ومن تعاون معه في حصار الشعب العراقي وفساد جهاز الرقابة الذي اصطنعه النظام ، كان السبب الرئيسي والمباشر في انتشار سرطان الفساد الإداري في كل صغيرة وكبيرة ودائرة وموقع من جسم الدولة العراقية ، حتى أن القضية التي تصل إلى صدام – بقدرة قادر طبعا – ويتخذ فيها الإجراء المناسب شخصيا ، فهذه تجد حلها بيد بواب صدام (( عبد حميد حمود )) وطبعا لكل قضية ثمنها الذي يتناسب مع حجمها المالي وشمولها لوزراء ومدراء عامين وموظفين كبار مع الأخذ بنظر الاعتبار موقع هذا (( العبد )).
بعد الاحتلال الفعلي لأرض الوطن وما فعلته جيوش المحتلين من تشجيع الناس على النهب والسلب وتدمير الممتلكات العامة فيما يسمى (( الحواسم )) ولانتشار الفوضى العارمة في كل مفاصل الدولة والبلاد والوهن القاتل الذي تتميز به الأجهزة الإجرائية من الشرطة والقضاء ووجود هذا الفساد في هذين الجهازين مع ترعرعه في أجهزة الرقابة ( لا يزال من هم فاسدون يقبعون في أماكن مهمة في ديوان الرقابة المالية ؟!.) مضافا إلى فساد بعض القيادات العليا وسرقتها قوت الشعب ، وقد قالوا في الأمثال – إذا شفت الكراب اعوج قول صوج الثور الكبير – وغير ذلك من الأسباب الحالية التي يرعاها رعاية كاملة جيش المحتلين ، فقد صرنا نسبح في خضم بحر فساد شامل كامل تام ... وإنا لله وإنا أليه راجعون.
ويبقى تخوفي الشديد من تصفية رئيس لجنة النزاهة في مجلس النواب الشيخ صباح ألساعدي والذي أرى في تصرفاته روحا واندفاعا نحو تحجيم هذا المرض أولا وتشخيص مواطنه ثانيا وطرح الحالة على الشعب ثالثا وهو يعمل مصداقا لحديث الرسول الأكرم (ص) { من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذالك اضعف الإيمان }.
واليه وبصدق وأخوة ارجوه أن يأخذ حذره الكامل والتام حتى من الحديث فعصابات الفساد والإفساد لديها من الأذرع والأيدي القادرة للوصول إلى من تريد وأينما وكيفما تريد وأقول له – إياك أن تبتل بالماء – والحر تكفيه الاشارة.
والله من وراء القصد.



ليست هناك تعليقات: